الأحد 26 أبريل 2026 09:45 مـ 9 ذو القعدة 1447 هـ
اقرأ الخبر
رئيس مجلس الإدارة يحيي ابو حته رئيس التحرير هبة عبد الحفيظ
×

قراءة على قراءة فرنسية في تعقيدات السودان..الدور الفرنسي في أزمة السودان ودول الحزام الإفريقي (١٠)

الأحد 26 أبريل 2026 03:48 مـ 9 ذو القعدة 1447 هـ
الصادق علي حسن
الصادق علي حسن

فرنسا وصناعة الأزمات بدول الغرب الإفريقي وفي تعقيدات أزمة السودان.

نتيجة لعدم سلامة السياسات الفرنسية المتبعة بدول حزام الغرب الإفريقي، وقد صارت فرنسا من صناع الأزمات بدول حزام الغرب الإفريقي، لم تعد فرنسا تمثل في نظرة الأجيال الجديدة من الشباب بدول الغرب الإفريقي دور الشريك المثالي، بل يُنظر لدورها بالدور الإنتهازي الاستغلالي. لقد بات الخروج القسري ،والتحرر من قبضة النفوذ الفرنسي الموروث بدول حزام الغرب الإفريقي مسألة وقت، بمثلما حدث بالدول الثلاث مؤخرا (مالي - بوركينافاسو - النيجر)، ما لم تعد فرنسا النظر في سياساتها الخاطئة المتبعة، والتي لم تعد مجدية، بل تؤدي إلى تعميق المزيد من المرارات وحالات الإحتقان لدى الأجيال الجديدة، بمثلما هي تحاول حاليا وتسعى لتغيير الأنظمة بالدول الثلاث المذكورة لتأتي بمعارضين يخدمون خططها العرجاء.

لقد وجدت عدة دول منها دولة الإمارات، والصين، وروسيا عن طريق الشركات العابرة للحدود مثل فاغنر الروسية البيئة مواتية للولوج والتمدد في ساحة أراضي دول الغرب الإفريقي المهيأة، وصارت هذه البلدان الإفريقية ومواردها عرضة للنهب بواسطة نخب هذه البلدان، وساحات للتنافس والمعارك المستترة للنفوذ الخارجي الإقليمي والدولي.

كما وبدلا من أن تعيد فرنسا النظر في سياساتها البالية بدول حزام الغرب الإفريقي، وقد صارت الثقافة واللغة الفرنسية بهذه الدول، أرضية صالحة لتأسيس المصالح الحقيقية المشتركة، فإن سياسة باريس لا تزال تعتمد على السياسة والنخب الوطنية المنتجة للأزمات بأوطانها، كما وسعت من نطاق أنشطتها غير المبنية على أسس سليمة، لتساهم عبر قراءات خاطئة في تعقيدات أزمة السودان بمثل تنظيم ورش نيامي وإنشاء تحالف المسار الديمقراطي للحركات المسلحة السودانية من دارفور المقاتلة بدولة ليبيا، وما نشر من تقرير لمجلة لو بوان الفرنسية بأن الأزمة السودانية في البنية الهجينة للدولة، ومدى القدرة على استعادة الجيش لدوره الوطني، وحصر معالجة إشكالية البنية القائمة في تعقيدات الأزمة السودانية في جماعة الإخوان المسلمين مع أن الأزمة السودانية تجاوزت مع جماعة الإخوان المسلمين وصارت مرتبطة بأصابع خارجية إقليمية ودولية صارت أكثر تاثيرا .

إن السياسات الفرنسية المتبعة بدول حزام الغرب الإفريقي صارت تجلب لفرنسا النقد اللاذع الشديد، ليس لدى الشباب الإفريقي فحسب، بل حتى من قبل شركائها الأقربيين من دول الإتحاد الأوروبي، وفي الوسائط مساجلات لرئيسة وزراء إيطاليا (بصفة المحتملة ) بعد فوزها بالانتخابات، في ردها على رئيس وزراء فرنسا أمانويل ماكرون الذي وصف موقف سياسي لبلادها إيطاليا بغير المسؤول والسياسة الإيطالية بغير المسؤولة أن وجهت جورجيا ميلوني انتقادات حادة لماكرون وتحدثت عن السياسة الفرنسية المقرفة ومواقفها غير الأخلاقية وأن ٣٠٪ من مادة اليورانيوم التي تستخدمها فرنسا في الكهرباء تأتي من دولة النيجر، ودولة النيجر بلا كهرباء أو طرق مسفلتة وأطفالها يعانون من سوء التغذية، وأن فرنسا تطبع عملة ١٤ دولة إفريقية، وأن المهاجرين الذين يحاولون عبور الحدود تعيدهم فرنسا ، وأن الحل لهؤلاء ليس في الهجرة إلى أوروبا ولكن في تحرر بعض الأفارقة من الأوربيين الذين تركوهم في حالة بؤس وشقاء.

المؤسف حقا، لا تزال النخب الإفريقية تدور في حلقة مفرغة، ولا تؤسس حراكها الوطني على الإرادة الشعبية، وتعتمد على عواصم الدول الغربية لتمكنها من الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها، كما ولا تدرك هذه النخب الضالة بأن الأجواء قد تغيرت، ولم يعد الحال كما كان عليه الوضع في السابق.

إن إقرار الحلول السليمة المستقرة لكافة قضايا الدول والشعوب الإفريقية ومنها السودان، لا تحتاج لتنظيم المؤتمرات والورش والمنابر الخارجية بمثل التي تنظمها بروميديشن الفرنسية، ولكن الحلول الصحيحة للأزمات، والأزمة السودانية بالتحديد تأتي بتقوية ممارسات الديمقراطية الحقيقية داخل هذه البلدان، بمثل ما حدث ذلك في فرنسا نفسها عقب الثورة الفرنسية وقيام ديمقراطية حقيقية محمية بإرادة الشعب الفرنسي، وليست مجرد ممارسات شكلية مأخوذة من مظاهر خارجية للديمقراطية الفعلية الممارسة في دول أوروبا، والاكتفاء بالنقل والتقليد مظاهر القشور والإدلاء بالأصوات في صناديق الاقتراع، لتنتهي العملية الإنتخابية بالمناكفات السياسية في وسائل الإعلام وخطب رنانة داخل المؤسسة المنتخبة ديمقراطيا والمنوطة بها الرقابة على ممارسة الديمقراطية والمحافظة عليها، لدرجة قيام أحد أبرز الزعماء الحزبيين المنتخبين داخل الجمعية التأسيسية في الديمقراطية الثالثة الشريف زين العايدين بنعي التجربة وهي في مهدها ويقول عنها ساخرا (لو شالها كلب ما في زول يقول ليه جر). لقد كان ذلك يحدث في تجربة السودان، وفي تنزانيا قويت التجربة الديمقراطية بحكنة الرئيس جوليوس نايريري الذي أطلق عليه شعبه لقب المعلم وصبر الشعب التنزاني، فالديمقراطية تقوى وتزدهر بالمزيد من الممارسة الديمقراطية.

السودان دولة صارت مستباحة

لا توجد دولة في منظمة الأمم المتحدة صارت مستباحة بمثل السودان، ففي الصومال وليبيا والعراق شهدت هذه الدول المذكورة مظاهر الفوضى السياسية والعسكرية وتعدد مراكز العنف، كما وقد كان لعامل التدخل الخارجي الدور الرئيس والأبرز في حدوث ظاهرة الفوضى والإنفلاتات الأمنية، ولكن النموذج السوداني هو الفريد في نوعه، نتجت حالة الاستباحة في السودان بفعل الدور الرئيس الناتج عن السياسات الخرقاء لنظام الإنقاذ وحزب المؤتمر الوطني وحركة الإسلام السياسي والأطراف السودانية المتصارعة على السلطة.

لقد عبث النظام المذكور بمنظومة الدولة السياسية والعسكرية والمجتمعية وبالخدمة المدنية، كما وقام بصناعة المليشيات والحركات المسلحة القبلية والعشائرية الموازية للجيش، ولم تقتصر الممارسة على إنشاء أزرع مسلحة تقوم بأدوار موازية لأدوار القوات النظامية، بل لتقوم بممارسات وأدوار سياسية بديلة للأحزاب، وتم تسيس القبائل التي أمتهنت العمل السياسي بلا أدنى تأهيل لمنسوبيها، تربع منسوبو القبائل في أرفع المناصب بالدولة وحازوا على الأموال العامة ترضيات وعطايا شراء الذمم والمواقف ، وصارت قيادات المليشيات والحركات المسلحة من حقوق دوائر الأسر والقرابات الأهلية، كما ضعفت الأحزاب السودانية تنظيميا، ولم تعد بها الكفاءات الحزبية المتجددة، كما ولم تعد تمتلك الكوادر الشابة الفاعلة.

لقد نشط نظام الإنقاذ في إضعاف الأحزاب السودانية، وتحويل غالبيتها إلى لافتات لأشخاص وشلليات صغيرة تجمع أصحاب المصالح، ولأتساع جغرافية الأراضي السودانية الغنية بالمعادن والثروات والموارد، والموقع الجيوسياسي، وهي الدولة المطلة على أحد أهم الممرات المائية في العالم (البحر الأحمر)، وقد تحولت مركزية إدارة الدولة في ظل نظام حزب المؤتمر الوطني لإدارة أشبه بإدارة الشركات الخاصة، صارت البلاد مفتوحة لكافة المغامرين وعمليات غسيل الأموال ولطلاب الثروات في ظروف الحروب ، ولكل الأنشطة بعلم النظام الحاكم أو بدون علمه، وأنفرط عقد الدولة.

عتاد عسكري ومهابط لفاغنر بأم دافوق بغرب السودان

أندلعت ثورة ديسمبر المجيدة في ٢٠١٨م، وكان النظام قد فتح البلاد للشركات العابرة للحدود والتي وجدت في الاستثمار في التعدين بيئة مناسبة في أطراف البلاد الغربية وجنوبها. لقد وصلت إلينا في هيئة محامي دارفور معلومات متواترة عن قيام شركة فاغنر بعمليات تعدين وأسعة بمناطق أم دافوق السودانية المتاخمة لمنطقة أم دافوق بدولة إفريقيا الوسطى وأبتعثنا بفريق للتحقيق الذي وصل بالفعل لأم دافوق السودانية، وتمكن الفريق من رصد مجموعات عناصر فاغنر وتصوير بعض مواقعها وعناصرها ونشرت الهيئة نتائج التحقيق الميداني مصحوبة بالصور ولم تتحرك أي جهة أو تهتم وكأن الدولة بلا مسؤول مدني أو عسكري .

وفي أثناء الحرب الدائرة ظلت الشركات العابرة للحدود تقوم بعمليات التعدين في منطقة سنقو بجنوب دارفور، والمناطق التي حولها، العديد من الشركات العالمية ومعدنيين من دول إفريقيا من تنزانيا والكنغو ومن أمريكا اللاتينية وعلى رأسهم الكولمبيين وشركات مثل فاغنر الروسية تعمل دون أي رقيب أو حسيب.

فاغنر الروسية والإمارات (نهب ثروات الشعوب وظاهرة استخدام الإمارات لشباب السودان في المطامع التوسعية باليمن واليمن والسودان).

يتحمل نظام البشير الدور الأساسي لدخول فاغنر الروسية والإمارات في السودان، وقد تم التقنين لهذا الدور الذي تحول إلى ظاهرة، من مشاركة للجنود السودانيين بحرب اليمن وإستدراج شباب سودانيين بواسطة وكالات سفر منها أماندا ونقلهم تحت غطاء عقودات عمل مع شركات إماراتية خاصة للعمل في وظائف حراسات الشركات والتأمين، ونقلهم مباشرة إلى منطقة رأس لانوف الليبية دون علمهم لحماية آبار ومعامل تكرير البترول الليبي المنهوب.

وبحسب الشاب السوداني عادل وهو من الشباب الذين قاموا بتكليفي لمباشرة إجراءات قانونية نيابة عنهم، بأنهم بعدما وصولوا إلى دولة الإمارات للعمل نقلوا إلى معسكرات تدريبات عسكرية متقدمة، وحينما أكملوا فترة ثلاثة أشهر في التدريب على استخدامات كافة أنواع الأسلحة، حضر مسؤولون إماراتيون وشهدوا التخريج، ثم تم نقلوا دون علمهم إلى طائرة وسألوا قائدها عن وجهتها قبل الإقلاع، وكان رده عليهم أنه يتلقى التعليمات بعد الإقلاع، وبعد طيران لأكثر من أربع ساعات هبطوا في منطقة لم يعرفوا أين هي ،وفي أي دولة، وفي الصباح فوجئوا بأنهم في منطقة رأس لانوف الليبية، وأن مهمتهم التي نقلوا للقيام ،تتمثل في حراسة آبار النفط الليبية والتي سميت بآبار زايد، وقال أنهم رفضوا وتمسكوا بالعودة إلى بلادهم، وفي الخرطوم أقاموا دعاوى قضائية في مواجهة وكالة أماندا ودولة الإمارات، ولكن كان هنالك التدخل في الإجراءات وتعطيلها لهم بالمرصاد ، والمؤسف أن ذلك قد حدث في ظل حكومة الثورة ومن خلف رئيس وزرائها د. عبد الله حمدوك.

موضوعات متعلقة