الأربعاء 10 يونيو 2026 10:25 صـ 24 ذو الحجة 1447 هـ
اقرأ الخبر
رئيس مجلس الإدارة يحيي ابو حته رئيس التحرير هبة عبد الحفيظ
×

الصادق علي حسن يكتب: امتحانات شهادة تأسيس

الثلاثاء 9 يونيو 2026 11:47 مـ 23 ذو الحجة 1447 هـ
الصادق علي حسن
الصادق علي حسن

حينما يصبح مستقبل الطلاب ضمن أدوات الصراع السياسي الصدئة (1)

من السهل لأي شخص أن يدعي حرصه على المصلحة العامة أكثر من غيره، وهناك من يرفع السلاح ليمارس كل أشكال القتل والدمار والتخريب في سبيل نزواته الشخصية وإشباع شهوته في الحكم فوق جماجم الأبرياء، ويرفع الشعارات النبيلة لتبرير أفعاله المنتهكة للحقوق واتخاذها غطاءً لها.

وفي خضم الصراع السياسي الحالي الدائر بضراوة بين طرفي الحرب، هناك من يساند بورتسودان أو نيالا وفقاً لتقديراته الذاتية، ليلتمس لهذا الطرف أو ذاك مسوغاً سياسياً لتبرير جرائمه الجسيمة المرتكبة. ومن خلال ذلك التبرير، يتم التقنين للعصف بالحقوق الأساسية للإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة، مع تجاهل هذا الحق المنتهك علناً للعشرات من الأشخاص الذين يقتلون يومياً بمسيّرات الجيش والدعم السريع وأصابعهما الخارجية.

وفي زمان صار فيه المنطق السائد هو تبرير مواقف طرفي الحرب، تضاءلت أهمية الرقابة المدنية والحقوقية لصالح الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، إلى درجة عدم التمييز بين الأفعال الجادة والمفيدة وظواهر العبث السياسي التي يمارسها طرفا الحرب المدمرة.

العبث

العبث هو فعل ما لا فائدة فيه والانشغال بأمور لا تجدي نفعاً.

لقد كشفت ممارسات عناصر ما أسمت نفسها بـ"سلطة تأسيس" أنها تحتاج إلى التمييز بين ما يخدم حتى شعاراتها المرفوعة وما يلحق بها أضراراً فادحة. فبدلاً من أن تتعظ من تجربة وزير شؤون الداخلية في سلطتها، سليمان صندل حقار، الذي أعلن قبل عدة أشهر عزم أجهزته مباشرة سلطة استخراج جوازات سفر للمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ولما كان الغرض من الحصول على وثائق السفر هو السفر نفسه وليس مجرد امتلاك الوثيقة، تراجع المذكور وتوقف عن المشروع بعد أن اكتشف النتائج المترتبة عليه.

فمثل هذه الوثائق، قطعاً، لا تصلح للسفر والتنقل، وسيكتشف حاملها بعد أن يكون قد سدد مقابلاً مالياً للحصول عليها، أنها وثيقة بلا قيمة فعلية على أرض الواقع. لذلك توقف عن إصدارها، لأن من نتائج إصدارها كشف الغش والاستهبال السياسي الذي تمارسه "تأسيس".

قيمة الشهادة السودانية لدى تأسيس

بعد انضمام الحلو إلى "تأسيس" وتولي أحد عناصر حركته وزارة التربية والتعليم في سلطتها الافتراضية، كان من المأمول - على الأقل - أن تستفيد هذه السلطة من تجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان في عهد قائدها الدكتور جون قرنق، الذي كانت لديه رؤية ومنهج لإدارة الدولة، وربط المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسيطرة حركته بالنظام التعليمي في أوغندا لمعالجة تحديات استمرار التعليم في تلك المناطق.

وللسنة الثالثة منذ اندلاع الحرب العبثية، ضاع على الطلاب في مناطق سيطرة الدعم السريع، ولاحقاً تحالف "تأسيس"، الحق في التعليم النظامي.

ولم تتمكن "تأسيس"، بعد تشكيل سلطتها، من وضع خطط قائمة على أهداف يمكن أن تخدم المصلحة العامة أو حتى المصالح الخاصة مع احترامهما، بل سادت لديها لغة ونهج التخبط السياسي.

وهنا يبرز السؤال: ما هي المصلحة العامة في تنظيم سلطة "تأسيس" لامتحانات الشهادة السودانية؟ وما هي أغراضها؟ وهل تتوافر في الامتحانات التي أعلنت عنها وبدأت في إجرائها المصلحة العامة والخاصة للطلاب وأولياء أمورهم؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من تناول الأراجيف والأباطيل الواردة في المقال المنشور بعنوان: "هيئة محامي دارفور بين ادعاء الحقوق ومخاصمة الطلاب"، والرد على كاتبه الأستاذ أبو عبد الله الراشدي.

الإدانة بحيثيات مزجاة

سعى كاتب المقال المشار إليه أعلاه إلى إصدار إدانة ذات طابع سياسي ضد هيئة محامي دارفور استناداً إلى تقديرات سياسية خاصة به.

وقد اتخذ من البيان المشترك للمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات وهيئة محامي دارفور بشأن امتحانات "تأسيس" منصة ومدخلاً لنقد الهيئة، واستهل مزاعمه بعنوان وصف فيه الهيئة بأنها "تدعي الحقوق وتخاصم الطلاب"، وكأنه فصل في وقائع معروضة أمامه دون نظر أو سماع.

فقد غلبت عليه عقيدة مسبقة كوّنها سلفاً، فجاء بحيثيات مزجاة صيغت لخدمة أغراضه ومآربه السياسية.

امتحانات الطلاب مصلحة عامة

امتحانات الشهادة السودانية تمثل مصلحة عامة لجميع أبناء السودان، كما أن الحق في التعليم من الحقوق المكفولة بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

ويرتبط الحق في التعليم بكافة الحقوق الأخرى، وعلى رأسها الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

فالحق في التعليم يتجاوز المصلحة الخاصة بالفرد والمصلحة العامة للدولة، ليرتبط بمنظومة الحقوق المكفولة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ويُعد من أساسيات عمل منظمتي اليونسكو واليونيسف.

لذلك، فإن تناول أي شخص لقضية التعليم من باب الحرص عليه يُعد أمراً محموداً، غير أن الغرض الحقيقي هو الذي يكشف موقف صاحبه.

ماهية الشهادة السودانية وأغراضها

تختلف امتحانات الشهادة السودانية عن امتحانات المراحل الدراسية الأخرى، إذ ترتبط بالدخول إلى الجامعات والكليات والمعاهد التي تمنح شهادات البكالوريوس والدبلومات والمؤهلات الأخرى المعترف بها عالمياً.

كما أن معايير التصنيف والاعتراف الدولي بالشهادة السودانية لا تتوافر في الشهادات الدراسية الأخرى، مثل شهادات المرحلتين الابتدائية والثانوية وما دونها.

فهي ليست كشهادات المدارس أو المعاهد التي تقتصر على إثبات التأهيل المعرفي والعلمي لصاحبها، دون أن تكون قابلة للمعادلة الخارجية بصورة عامة.

طرفا الحرب يفتقران إلى الأساس الأخلاقي

من تجليات الحرب العبثية الدائرة أن لها جوقتها ودهاقنتها، وقد انحصرت مهامهم في التبرير بكافة الوسائل ومن دون أدنى قدر من التروي.

فقد أُنشئت المنصات والمواقع والصحف الإلكترونية الموالية لطرفي الحرب، لينطلق المدافعون في توجيه الاتهامات جزافاً.

وخلال الأيام الماضية، كتب الصحفي يوسف عبد المنان متهماً هيئة محامي دارفور بموالاة الدعم السريع، وقال في تطاول: "أين هيئة محامي دارفور التي ملأت الدنيا بالبيانات، وقد تغافلت عن انتهاكات مليشيا الدعم السريع، ولم تكن تترك شاردة ولا واردة لإدانة الإنقاذ؟".

وفي الوقت نفسه، زج الدكتور عبد الله علي إبراهيم بقلمه - للمرة الثالثة - مسوقاً لإدانة المجتمع المدني المستقل، ومحرراً حيثيات إدانة مزجاة ضد هيئة محامي دارفور.

ثم بدأت الحملات المنظمة من غرف "تأسيس" والدعم السريع، مستخدمة الأدوات نفسها للصراع السياسي الصدئ بين الطرفين المتحاربين.

موضوعات متعلقة