الجمعة 29 مايو 2026 06:23 مـ 12 ذو الحجة 1447 هـ
اقرأ الخبر
رئيس مجلس الإدارة يحيي ابو حته رئيس التحرير هبة عبد الحفيظ
×

بين الردع والعلاج.. هل حان وقت إعادة صياغة فلسفة مواجهة المخدرات في مصر؟

الجمعة 29 مايو 2026 01:27 مـ 12 ذو الحجة 1447 هـ
اللواء أشرف عبد العزيز
اللواء أشرف عبد العزيز

عادت قضية المخدرات إلى واجهة الجدل المجتمعي في مصر مجددًا، لكن هذه المرة ليس بسبب واقعة ضبط جديدة أو حملة أمنية موسعة، بل نتيجة نقاش فكري وقانوني وأمني أثار أسئلة شديدة الحساسية حول جدوى السياسات التقليدية في مواجهة الظاهرة، وحدود التوازن بين العقاب والعلاج.

البداية جاءت عقب التصريحات المثيرة التي أدلى بها المحامي الشهير الدكتور محمد حمودة خلال ظهوره الإعلامي الأخير، حين فتح ملف التعامل القانوني مع متعاطي المخدرات، متسائلًا عن فلسفة “التجريم المطلق”، ومدى قدرتها الفعلية على الحد من انتشار التعاطي، خاصة في ظل التحولات الخطيرة التي يشهدها سوق المخدرات داخل مصر.

تصريحات حمودة لم تمر مرور الكرام، بل أشعلت موجة واسعة من الجدل بين مؤيد يرى ضرورة مراجعة الواقع الحالي بعقلانية، ومعارض يخشى أن يؤدي أي تخفيف للعقوبات إلى فتح الباب أمام موجات أكبر من الإدمان والانهيار المجتمعي.

لكن اللافت أن النقاش لم يبقَ في الإطار القانوني فقط، بعدما دخل اللواء أشرف عبد العزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، على خط الأزمة برؤية مختلفة نسبيًا، تقوم على فكرة أن “تجريم المتعاطي وحده لم ينجح في إنهاء الظاهرة”، وأن التعامل الأمني التقليدي يحتاج إلى مراجعة أكثر عمقًا.

الرؤية التي طرحها اللواء أشرف عبد العزيز لم تدعُ إلى التساهل مع المخدرات، كما حاول البعض تصويرها، بل ركزت على نقطة شديدة الأهمية تتعلق بمصير الشباب المتعاطين لأول مرة، والذين قد يتحولون داخل السجون — نتيجة الاحتكاك بالمجرمين الخطرين — إلى عناصر إجرامية أكثر خطورة بدلًا من إعادة تأهيلهم.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة القانون هي العقاب فقط؟ أم الحماية والإصلاح أيضًا؟

الخبير الأمني دعا إلى دراسة نماذج قانونية أكثر توازنًا، تعتمد على الفصل بين “المتعاطي” و”التاجر”، بحيث لا يتم دفع المتعاطين البسطاء مباشرة إلى مسار الجنايات، مع التوسع في برامج العلاج الإلزامي والتأهيل النفسي والاجتماعي، بالتوازي مع استمرار الضربات الأمنية القوية ضد شبكات الاتجار والتصنيع.

هذا الطرح يعكس تحولًا مهمًا في فهم طبيعة الظاهرة؛ فالإدمان في كثير من الحالات لم يعد مجرد انحراف أخلاقي أو جريمة تقليدية، بل أصبح أزمة صحية ونفسية واجتماعية معقدة، تتداخل فيها البطالة والضغوط الاقتصادية والتفكك الأسري والأزمات النفسية، إلى جانب التطور المرعب في أنواع المخدرات نفسها.

فالخطر الحقيقي اليوم، كما حذر اللواء أشرف عبد العزيز، لم يعد يقتصر على المواد التقليدية، بل امتد إلى المخدرات التخليقية مثل “الشابو” و”الاستروكس” و”الآيس”، وهي مواد شديدة السمية والتدمير العصبي، يتم تصنيع كثير منها بخلطات مجهولة داخل السوق السوداء، مستفيدة من الأرباح الضخمة وسهولة الانتشار.

الأمر لم يعد أمنيًا فقط، بل أصبح معركة متعددة الجبهات، وهو ما أكدته أيضًا الدكتورة إيناس عبد العزيز، خبيرة الأمن الرقمي، التي كشفت عن التحول الخطير في طرق الترويج الحديثة، حيث أصبحت تطبيقات مثل “تيليجرام” وشبكات “الإنترنت المظلم” أسواقًا إلكترونية مفتوحة لبيع السموم باستخدام الحسابات الوهمية والعملات المشفرة.

وهنا يظهر وجه جديد للمواجهة؛ فالمخدرات لم تعد تُباع فقط في الشوارع والأوكار التقليدية، بل أصبحت تتحرك عبر الفضاء الرقمي بسرعة تفوق أحيانًا قدرات الملاحقة التقليدية، ما يفرض ضرورة تطوير أدوات المواجهة الإلكترونية واستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات تتبع المحافظ الرقمية المشبوهة.

ورغم حساسية الطرح، فإن النقاش الدائر حاليًا لا يمكن اختزاله في سؤال “التشديد أم التخفيف”، بل يتعلق في جوهره بإعادة تقييم فلسفة المواجهة بالكامل.

فهل يؤدي إدخال آلاف الشباب إلى السجون بسبب التعاطي لأول مرة إلى حماية المجتمع فعلًا؟ أم يساهم أحيانًا في إنتاج موجات جديدة من العنف والجريمة؟

وفي المقابل، هل يمكن أن يُفهم تخفيف العقوبات باعتباره رسالة تساهل تشجع على انتشار التعاطي؟

الحقيقة أن الإجابة ليست سهلة، لأن القضية تمس الأمن والصحة والأسرة والمجتمع في آن واحد. لكن المؤكد أن العالم كله بدأ يراجع سياسات المواجهة التقليدية، بعدما أثبتت التجارب أن العقاب وحده لا يكفي دائمًا، وأن العلاج والتأهيل قد يكونان أحيانًا أكثر فاعلية في حماية المجتمع على المدى الطويل.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام أي رؤية جديدة هو تحقيق المعادلة الأصعب: كيف نحمي المجتمع من خطر المخدرات دون أن نفقد القدرة على إنقاذ الشباب قبل سقوطهم الكامل في دائرة الجريمة والإدمان؟