الثلاثاء 21 يوليو 2026 03:24 صـ 5 صفر 1448 هـ
اقرأ الخبر
رئيس مجلس الإدارة يحيي ابو حته رئيس التحرير هبة عبد الحفيظ
×

مقديشو.. من مدينة الخوف إلى مدينة الأمل

الأحد 19 يوليو 2026 09:11 مـ 3 صفر 1448 هـ
سيد علي عبد الله صلاد، باحث صومالي في القانون والشؤون العامة
سيد علي عبد الله صلاد، باحث صومالي في القانون والشؤون العامة

في مارس/آذار 2012 غادرت مقديشو طالبًا، وكانت المدينة تمر بإحدى أصعب مراحلها الأمنية. لم أكن أتوقع آنذاك أن تمتد رحلتي الدراسية خمسة عشر عامًا، وأن أعود إلى مدينة تختلف كثيرًا عن تلك التي ودعتها.

وبعد رحلة استغرقت يومين من الترانزيت، وصلت إلى مصر في 25 مارس 2012، حيث بدأت رحلتي الأكاديمية. وخلال سنوات الدراسة، امتزجت التحديات بالنجاحات، وبفضل الله أنهيت المرحلتين اللتين سافرت من أجلهما، متخرجًا من جامعتي القاهرة والإسكندرية، ومحققًا الهدف الذي غادرت وطني من أجله.

غير أن سنوات الغياب لم تكن سهلة؛ فمعظم الأخبار القادمة من الصومال كانت تتحدث عن التفجيرات والاغتيالات، وتدهور الوضع الأمني، والبطالة، واستمرار هجرة الشباب بحثًا عن مستقبل أفضل. وعندما تعيش في بلد ينعم بالاستقرار بينما تتابع أخبار وطنك المثقلة بالأزمات، يتولد لديك شعور دائم بالقلق، وقد يفقد بعض المغتربين الأمل في العودة.

كنت واحدًا من نحو خمسين طالبًا سافروا إلى مصر في الفترة نفسها. ومع مرور الوقت، اختار بعضهم الهجرة غير النظامية، وعاد آخرون إلى الصومال بعدما لم يتمكنوا من التأقلم مع ظروف الحياة الجديدة، بينما استقر آخرون في دول مختلفة بعد انتهاء دراستهم، واضطر بعضهم إلى تغيير مساره بسبب ظروف الحياة.

أما أنا، فقد ظللت متمسكًا بقناعة واحدة: أن الوطن الذي غادرناه هو الأجدر بأن نعود إليه ونسهم في بنائه. وبعد سنوات طويلة، تحقق هذا الحلم لي ولعدد من زملائي.

الاستعداد للعودة

عندما بدأت أستعد للعودة، كانت الصورة التي تسكن ذاكرتي هي صورة مقديشو عام 2012. آنذاك كانت المدينة تعيش ظروفًا أمنية صعبة، وكانت المعارك لا تزال مستمرة ضد حركة الشباب، فيما كان الخوف يطغى على تفاصيل الحياة اليومية.

أتذكر جيدًا أن كثيرًا من الناس كانوا يحرصون على العودة إلى منازلهم قبل ساعات متأخرة من الليل، وأن البقاء خارج المنزل بعد صلاة العشاء كان يُعد مخاطرة حقيقية. لقد غادرت مدينة يخيّم عليها الظلام ليلًا، وتتعالى فيها أصوات الرصاص في أكثر من مكان نهارًا.

ورغم متابعتي للأخبار التي كانت تتحدث عن تحسن تدريجي في الأوضاع، بقيت صورة مقديشو القديمة راسخة في ذهني، ولم يكن من السهل أن أصدق أن المدينة قد تغيرت بهذا القدر.

وفي 14 يونيو الماضي استقليت طائرة مصر للطيران عائدًا إلى الوطن، وهي شركة لم تكن تسيّر رحلات إلى الصومال عندما غادرت قبل سنوات. وخلال الرحلة، لم يفارقني سؤال واحد: كيف أصبحت مقديشو اليوم؟

كان معظم الركاب يتبادلون الأحاديث والضحكات فرحًا بقرب لقاء أهلهم، بينما كنت أفكر في شيء آخر: هل سأتعرف إلى المدينة التي غبت عنها خمسة عشر عامًا؟ وهل سأتمكن من التأقلم مع واقعها الجديد؟

لحظة الوصول إلى مطار آدم عدي

عندما بدأت الطائرة بالاقتراب من أجواء مقديشو، لفتت انتباهي المباني الحديثة الممتدة بمحاذاة الساحل، والمياه الزرقاء التي أضفت على المشهد جمالًا استثنائيًا. كان المنظر مختلفًا إلى درجة جعلتني أعيد النظر في الصورة التي احتفظت بها عن المدينة طوال سنوات الغياب.

وعندما لامست عجلات الطائرة مدرج مطار آدم عدي، شعرت برهبة لم تكن بسبب الهبوط، بل لأنها كانت بداية فصل جديد من حياتي.

استقبلني مطر الصيف، وكانت السماء صافية على نحو لافت. كان مطرًا اشتقت إليه كثيرًا، ومن عاش سنوات في مصر سيدرك قيمة هذا الشعور. ثم هبت نسائم باردة جعلتني أنسى حرارة القاهرة في لحظات.

وكان أول ما لفت انتباهي أن العاملين في المطار كانوا من الشباب الصومالي، وأن مستوى الاستقبال والخدمات بدا مختلفًا عما كنت أتوقعه، فكانت تلك أول إشارة إلى أن أشياء كثيرة قد تغيرت بالفعل.

مقديشو التي رأيتها

بعد مغادرتنا المطار، جلست قرب نافذة السيارة لأراقب المدينة، بينما كان أصدقائي يتبادلون الأحاديث والضحكات. رأيت مباني حديثة، ومشروعات عمرانية، وحركة لا تشبه تلك التي بقيت في ذاكرتي. كانت مقديشو مختلفة عما غادرتها قبل خمسة عشر عامًا.

وفي مساء اليوم الأول، تجولت في المدينة، ولم أعد أتعرف بسهولة إلى بعض الأحياء التي نشأت فيها ودرست بمدارسها. ثم توجهت لزيارة والدتي، وسألت أخي إن كان من المناسب الذهاب إليها في ذلك الوقت المتأخر، فأجاب ببساطة: "يمكننا زيارتها في أي وقت." عندها أدركت أن تفاصيل الحياة اليومية نفسها قد تغيرت.

الأمن

خلال الأسابيع التي قضيتها في المدينة، لاحظت تغيرًا واضحًا في الحياة اليومية مقارنة بما عرفته عام 2012. وأرجع كثير من السكان هذا التحسن إلى انتشار قوات الأمن، وزيادة نقاط التفتيش، واستخدام كاميرات المراقبة في المؤسسات التجارية، وهو ما يقوله المواطنون إنه أسهم في الحد من الجريمة وتعزيز الشعور بالأمان.

ورغم استمرار وقوع هجمات متفرقة والتحديات الأمنية التي لا تزال تواجه البلاد، فإن الحياة اليومية في أجزاء واسعة من المدينة بدت أكثر استقرارًا مما كانت عليه عندما غادرتها.

كما لاحظت أن كثيرًا من المواطنين والتجار يستخدمون هواتفهم وأجهزتهم في الأماكن العامة بثقة أكبر، وهو مشهد كان يصعب تخيله بالنسبة لي قبل خمسة عشر عامًا.

الاقتصاد والحياة في المدينة

على الصعيد الاقتصادي، بدت مظاهر النشاط واضحة في أنحاء المدينة. فقد ظهرت علامات تجارية جديدة، ومطاعم حديثة، ومتنزهات، ومكتبات، إلى جانب خدمات متنوعة يعمل بعضها على مدار الساعة، بما يعكس حيوية اقتصادية متزايدة.

كما شهدت بعض الأحياء عمليات تنظيم عمراني وإزالة لمبانٍ عشوائية، وأصبحت الحركة التجارية أكثر نشاطًا، وفق ما لاحظته خلال زيارتي وما لمسته من أحاديث السكان.

خاتمة

عدت إلى مقديشو وأنا أتوقع أن أجد المدينة التي غادرتها قبل خمسة عشر عامًا، لكنني وجدت مدينة مختلفة عن تلك التي احتفظت بها في ذاكرتي.

رأيت مدينة تستعيد عافيتها تدريجيًا، وتشهد نموًا عمرانيًا واقتصاديًا، فيما يتحدث كثير من شبابها عن السياسة والأحزاب والانتخابات ومستقبل البلاد.

صحيح أن مقديشو لا تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية، وأن طريق التعافي الكامل ما زال طويلًا، لكن ما رأيته أكد لي أن المدينة قطعت خطوات مهمة مقارنة بما كانت عليه قبل خمسة عشر عامًا.

وأختتم هذه التجربة بقناعة راسخة مفادها أن نهضة الأوطان لا تتحقق بالمباني وحدها، بل تبدأ بعودة أبنائها، وإيمانهم بأن مستقبل وطنهم يستحق أن يُبنى بسواعدهم.