مؤانسات رمضانية في القاهرة تناقش قواعد تأسيس الدولة السودانية وسبل الخروج من الأزمة
في إطار النقاشات الفكرية والسياسية التي تشهدها الأوساط السودانية حول مستقبل الدولة بعد الحرب، استضافت القيادة المركزية العليا لضباط وضباط صف وجنود متقاعدي الجيش والشرطة والأمن «تضامن»، مساء الثلاثاء 3 مارس 2026، مؤانسة رمضانية حضرها عدد من القيادات الوطنية وممثلون عن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، لمناقشة قواعد تأسيس الدولة السودانية الخمس التي أُجيزت ديمقراطياً عام 1955.
وخلال اللقاء، قدم الأستاذ يوسف آدم بشر، أمين عام هيئة محامي دارفور بالإنابة ومسؤول القوانين بالمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، رؤية قانونية حول المدخل الصحيح للتأسيس الدستوري في السودان، فيما أدار الجلسة الأستاذ بشرى عبد الكريم.
التمسك بقواعد التأسيس
وأكد يوسف آدم بشر في عرضه أن السودان تجاوز مرحلة التكوين السياسي إلى الوجود القانوني للدولة منذ مطلع عام 1956، استناداً إلى قواعد التأسيس الخمس التي أُقرت ديمقراطياً في ديسمبر 1955. واعتبر أن المدخل الصحيح لإيقاف الحرب والحفاظ على الدولة يتمثل في التمسك بهذه القواعد، بدلاً من اللجوء إلى ما وصفه بـ«الشرعية الثورية» التي تُستخدم لتأسيس ترتيبات انتقالية جديدة.
وأشار إلى أن تجربة ما بعد 11 أبريل 2019 وما تبعها من توقيع الوثيقة الدستورية في 17 أغسطس من العام نفسه، أدت إلى تحويل قيادات أجهزة تنفيذية وإدارية إلى سلطات سياسية دون سند دستوري وتشريعي مكتمل، وهو ما ساهم – بحسب رؤيته – في تعقيد المشهد السياسي وفتح الباب لأزمات دستورية.
وأوضح أن قواعد التأسيس التاريخية نصّت على قيام دولة مدنية جمهورية، تتشكل مؤسساتها من مجلس سيادي مدني مكوّن من خمسة أعضاء، وحكومة برلمانية مدنية، وبرلمان منتخب، مع اعتماد نظام حكم فيدرالي، إضافة إلى انتخاب جمعية تأسيسية من أقاليم السودان المختلفة تتولى وضع الدستور الدائم للبلاد.
مخاطر تجاوز المرجعيات التأسيسية
وفي مداخلاته خلال النقاش، شدد الأستاذ الصادق علي حسن على أن قواعد التأسيس تمثل المرجعية القانونية الأساسية لقيام الدولة السودانية، محذراً من أن التخلي عنها قد يفتح الباب لإعادة طرح تكوينات ما قبل الدولة الحديثة من ممالك وسلطنات وإدارات أهلية.
كما أشار إلى أن امتناع بريطانيا عن تعيين حاكم عام للسودان في 12 ديسمبر 1955، وتولي القاضي أبو رنات مهام السلطة السيادية قبل تقرير المصير، أدخل البلاد فعلياً في مرحلة «السودنة»، ما عجّل بإصدار قواعد التأسيس التي أكدت قيام دولة مدنية ديمقراطية بنظام فيدرالي، على أن تُترك بقية القضايا للشعب ليقررها عبر المؤسسات الدستورية.
أهمية المرجعيات الدستورية
من جانبه، أكد الأستاذ محمد الأمين أهمية النظر في جميع المرجعيات السياسية والدستورية، بما فيها قواعد التأسيس، للوصول إلى مخرج دستوري للأزمة الراهنة.
وفي السياق نفسه، دعا الأستاذ زين العابدين الطيب عثمان، ممثلاً لمجموعة ضحايا التعذيب، إلى ضرورة الاستفادة من دروس التجارب السابقة وتجنب تكرار الأخطاء التي قادت إلى حالة عدم الاستقرار.
كما شدد الأستاذ محمد كركساوي على أهمية نشر الوعي الدستوري وإتاحة النقاش العام حول مستقبل الدولة السودانية ومآلات الأزمة الحالية.
تخوفات وملاحظات
وخلال النقاش، أثارت الأستاذة حنان بشير مخاوف بشأن الطروحات المتداولة حول إنهاء ما يُعرف بدولة 1956، معتبرة أن مثل هذه الدعوات قد تفتح الباب لمزيد من الانقسامات السياسية.
فيما أكد الأستاذ عبد الجليل الباشا أهمية الورقة المطروحة، داعياً إلى دراستها بشكل أوسع وتنظيم لقاءات ونقاشات موسعة مع مختلف قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية السودانية.
أما الأستاذ علي تونجا فأشار إلى أن جوهر المعالجة يجب أن يقوم على قوة القانون وليس قانون القوة، معتبراً أن العودة إلى الأسس القانونية قد تساعد في تصحيح التشوهات التي رافقت التجربة السياسية منذ الاستقلال.
مراجعة الوثيقة الدستورية
بدوره، أوضح الأستاذ الطيب العباسي أن الاتفاق الإطاري كان محاولة لمعالجة الثغرات في الوثيقة الدستورية التي ظهرت خلال التجربة الانتقالية، مشدداً على ضرورة دراسة جميع المبادرات والأفكار المطروحة للخروج من الأزمة.
وفي السياق ذاته، قال اللواء كمال إسماعيل إن عدداً من القضايا المصيرية المتعلقة بطبيعة الدولة قد حُسمت سابقاً في ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، وعلى رأسها مدنية الدولة، مؤكداً أن الالتزام بتلك المقررات كان يمكن أن يسهم في الحفاظ على وحدة البلاد وتجنب الخلافات اللاحقة.
نحو نقاش وطني أوسع
كما أوضح الأستاذ أزهري عمر السيد أن قوى الثورة كانت تعتقد في البداية أن الوثيقة الدستورية لعام 2019 تمثل معالجة للأزمة السياسية، إلا أن التجربة العملية كشفت عن أوجه قصور، ما دفعهم إلى إعادة النظر في قواعد التأسيس باعتبارها مرجعية دستورية يمكن البناء عليها.
واختتم الأستاذ بشرى عبد الكريم الجلسة بالتأكيد على أهمية مواصلة النقاش حول قواعد التأسيس إلى جانب بقية التصورات المطروحة، معلناً عزمه إعداد ورقة بحثية موسعة حول الموضوع لطرحها في لقاءات قادمة.
وفي ختام المؤانسة الرمضانية، أجمع المشاركون على ضرورة استمرار الحوار والنقاش حول هذه الورقة، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية والسياسية للوصول إلى رؤية دستورية تساعد في إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار في السودان.












