السودان التقسيم إلى دويلات غير مستقرة ومتنازعة..والحل بأيادي السودانيين (١)
غالبية الفعاليات التي صارت تنظمها مراكز البحوث والدراسات الجيوسياسية الدولية الغربية المهتمة بالشرق الأوسط والأمن المائي والملاحة الدولية والأوضاع في القرن الإفريقي والسودان ودول حزام الغرب الإفريقي باتت تركز على دراسة احتمالات تقسيم السودان إلى عدة دويلات ، وانتظمت ورش العمل والدراسات الاستقصائية في البحث عن مدى تجانس المكونات الإجتماعية بالدويلات المحتملة وعن مدى استقرار مشروعات هذه الدويلات إذا حدث التقسيم ، وعن كيف يتحقق الترسيم الجغرافي على أرض الواقع، وقد وفرت الحرب الدائرة بيئة مناسبة للإنفصال الوجداني بين الشعوب السودانية ، كما ولم تعد الدعوة للإنفصال أو المطالبة بالإنفصال مذمة ، كما كان الأمر في السابق ، أو جريمة ضد الدولة، وصارت مراكز البحوث والدراسات الغربية تبحث عن مقومات الدولة التي يمكن أن تنشأ في دارفور ، وحدود جغرافيتها على الأرض، ومدى تجانس مكوناتها الإجتماعية ، والدولة التي يمكن أن تنشأ في شرق السودان، كما مشروع الدولة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ، والدولة في شمال السودان ، ثم ماذا بشأن الخرطوم والنيل الأبيض والجزيرة .
وإلى وقت قريب ، كان مجرد الإفصاح عن الأفكار الانفصالية قد يجد صاحبها الإدانة التامة من الكافة ، وكان التفكير في المركز ينصرف إلى اتهام نخب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق الذين يرفعون شعارات التهميش ويقاتلون بها بالإنفصاليين ، ولكن حتى هذه المواقف قد تغيرت وتبدلت عقب الحرب الدائرة ونتائجها المدمرة ، ففي الشمال ظهر دعاة دولة البحر والنهر ،وهم اكثر مناداة بللإنفصال ، كما وظهرت الأصوات المطالبة بانفصال الشرق من داخل منابر وتجمعات الشرق وحاضرتها بورتسودان ، وصارت كل الاحتمالات والخيارات وأردة ، وقد أرتفعت أصداء الأصوات المطالبة بالأنفصال في الشمال بأكثر من غرب البلاد ،وفي الشرق بأكثر من جنوب كردفان والنيل الأزرق ، ولا تزال التنظيمات السياسية والمدنية السودانية تدور حول نفسها في دائرة وحلقة مفرغة .
لأول مرة أسمع من شخصية سودانية ملمة بشؤون الدولة السودانية من خلال الموقع التنفيذي الرفيع الذي تولاه برئاسته لمجلس وزراء حكومة ثورة ديسمبر المجيدة ، وبما يجري في أروقة ودهاليز المحافل الدولية والمجتمع الدولي من خلال وظيفته السابقة بالأمم المتحدة ، ودوره من خلال رئاسته لتحالف قحت فتقدم فصمود حاليا الدكتور عبد الله حمدوك حول مخاطر أوضاع الدولة السودانية واحتمالات التشظي والتقسيم .
في يوم ٢٩/ ٧/ ٢٠٢٦م أرسلت المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات بمذكرة إلى الدكتور عبد الله حمدوك رئيس التحالف المدني الديمقراطي (صمود) كان موضوعها إعادة ترسيم الحدود المؤسسية بين العمل السياسي والعمل المدني، ثم لأغراض المتابعة اتصلت بالدكتور عبد الله حمدوك الذي أكد لي إطلاعه على المذكرة المقدمة ، وترحيبه بالحوار حول كل ما ورد بها ،وذكر لي قائلا (لم يعد الأمر في السودان يتعلق بمَن يحكم السودان أو كيف يُحكم السودان، ولكن في وجود الدولة نفسها ، وبوادر التقسيم إلى مشروعات دويلات ثلاث أو أربع، متنازعة وغير مستقرة بدأت في الظهور ). في حديث الدكتور حمدوك بدأ لي أنه بات يشعر بالقلق مما وصل إليه الحال في السودان، بما يعلمه من بواطن الأمور وليس لديه ما يفعله سوى الحديث عن ضرورة الحوار السوداني السوداني وأن الوساطة الدولية لن تستطيع صناعة الحلول للسودانيين .
بعد إرسال المذكرة للدكتور عبد الله حمدوك رئيس صمود، والتواصل معه ونشر تلك المذكرة، وملخص بما دار معه خلال الاتصال لأغراض الشفافية، وردت عدة تعليقات للمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، ومن ضمنها هنالك من يرى أن المذكرة صحيحة ولكنها أرسلت إلى المكان الخطأ .
* عدم التمييز بين العمل المدني والعمل السياسي .
عدم التمييز بين العمل المدني والعمل السياسي في السودان صار بالتواتر التراكمي ظاهرة، لم تعد في الممارسة العامة هنالك فواصل بين العمل المدني والعمل السياسي، فتكررت الأخطاء ، ومن الأخطاء الفادحة الناتجة عن ظاهرة مزج العمل المدني بالعمل السياسي أن ضربت الانقسامات المجتمع المدني، فتحول المجتمع المدني السوداني إلى مجتمع سياسي بعباءة مدنية ، أطرافه تتوزع بين طرفي الحرب، وهنالك المجتمع المدني الذي يقف على رصيف المشاهدة والانتظار . لذلك كان لا بد من التماس وسائل التصحيح بمخاطبة كل الأطراف المعنية ومن هنا جاءت ضرورة مخاطبة تحالف صمود ورئيسه الدكتور عبد الله حمدوك.












