اقرأ الخبر

البرهان ودعوات الترشيح: قراءة في تحديات الحكم ومستقبل الدولة

الأحد 9 أغسطس 2026 12:32 مـ 24 صفر 1448 هـ
عبدالناصر سلم حامد - اقرأ الخبر
عبدالناصر سلم حامد - اقرأ الخبر

أؤيد ترشيح الفريق أول عبد الفتاح البرهان لرئاسة السودان. أقول ذلك بوضوح، لا لأنني أبحث عن حاكم مطلق أو أتصور أن رجلًا واحدًا يستطيع حل أزمات بلد كامل، بل لأن السودان يعيش ظرفًا استثنائيًا يحتاج فيه إلى قيادة معروفة ومرجعية تتحمل مسؤولية القرار. وفي رأيي، يمكن للبرهان أن يقود مرحلة انتقالية تعيد ترتيب مؤسسات الدولة وتمهد لانتخابات حرة. هذا هو أساس موقفي: دعم قيادة للمرحلة، لا استبدال الدولة أو إرادة السودانيين بشخص مهما كان موقعه.

الحرب كشفت حجم الضرر الذي يسببه تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات. في الوقت الراهن، لا يواجه السودان مشكلة أمنية فقط. هناك نازحون ينتظرون العودة، وخدمات تعطلت، واقتصاد أنهكته الحرب، وإدارة عامة تحتاج إلى ترميم، وعلاقات خارجية تتطلب صوتًا رسميًا واضحًا. من الصعب إدارة كل ذلك إذا كانت مؤسسات الدولة تعمل كجزر منفصلة. لذلك أرى أن وجود رئيس بصلاحيات معلومة يمكن أن يساعد على ترتيب الأولويات ومتابعة التنفيذ، بدل أن تضيع المسؤولية بين جهات كثيرة.

وقد يسأل البعض: لماذا البرهان تحديدًا؟ بالنسبة إليّ، يرتبط الجواب بموقعه ومعرفته بمؤسسات الجيش والدولة والملفات الأمنية والإقليمية. فالخروج من الحرب لن يحدث بعيدًا عن المؤسسة العسكرية، كما أن توحيد القرار الرسمي يحتاج إلى شخص يعرف تعقيدات الواقع وموازين القوة. ويتمتع البرهان، بحكم موقعه، بإمكانية التواصل داخليًا وخارجيًا، وهو ما يمكن الاستفادة منه في تثبيت الدولة وحشد الدعم لإعادة الإعمار. بالطبع، لا تضمن هذه المزايا نجاحه، لكنها تمنحه فرصة أفضل إذا استعان بفريق كفء والتزم ببرنامج معلن.

ومع ذلك، لا يعني تأييدي له أنني أضعه فوق النقد أو أختزل مستقبل السودان في شخصه. لقد دفع السودان ثمن الخلط بين قوة الدولة وقوة الحاكم أكثر من مرة. فتحت انتفاضتا أكتوبر 1964 وأبريل 1985 الباب أمام الحكم المدني، لكن الفترتين الديمقراطيتين اللتين أعقبتهما لم تنجحا في بناء مؤسسات تحمي النظام من الانقسام والاضطراب. كما أن فترات الحكم العسكري الطويلة لم تصنع استقرارًا دائمًا. والخلاصة، كما أفهمها، أن هوية الحاكم وحدها لا تكفي؛ فالاستقرار يحتاج إلى قواعد ومؤسسات تبقى بعد ذهاب الأشخاص.

والمرحلة الانتقالية التي بدأت عام 2019 تقدم درسًا قريبًا. فقد أضعف تداخل الصلاحيات بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، إلى جانب عدم تشكيل المجلس التشريعي وتصاعد الخلاف بين العسكريين والمدنيين، القدرة على اتخاذ القرار وبناء الثقة. لم تكن المشكلة في وجود مؤسسات متعددة، بل في غياب قواعد واضحة تحدد مسؤولية كل مؤسسة وتحسم الخلاف عندما يقع. ولهذا فإن القيادة الموحدة التي أدعو إليها يجب أن تكون دستورية وخاضعة للمحاسبة، لا سلطة مفتوحة بلا حدود.

هنا نصل إلى مسألة دستورية لا يصح تجاوزها. فالانتقال من مجلس السيادة الجماعي إلى منصب رئيس الجمهورية لا يتم بمجرد إعلان ترشيح البرهان أو ارتفاع الأصوات المؤيدة له. الوثيقة الدستورية المعدلة لعام 2025 ما زالت تجعل مجلس السيادة رأس الدولة. وبناء على ذلك، فإن إنشاء رئاسة فردية يتطلب تعديلًا دستوريًا صريحًا ينهي الصيغة الحالية ويستبدلها بمنصب الرئيس، ثم يعيد توزيع الصلاحيات ويحدد العلاقة بين الرئاسة والحكومة والسلطة التشريعية. ويجب أن يجري ذلك عبر مسار معلن يمنع فراغ السلطة ويحدد شرعية الرئيس ومدة ولايته وكيفية مساءلته.

بعد ذلك تأتي مسألة شكل السلطة نفسها. في تقديري، نحتاج إلى رئيس بصلاحيات دستورية واضحة، وإلى حكومة كفاءات ومجلس تشريعي يمثل الأقاليم والقوى الاجتماعية والسياسية. ونحتاج أيضًا إلى قضاء مستقل ونيابة قادرة على القيام بواجبها، ومفوضيات مستقلة للانتخابات ومكافحة الفساد وحقوق الإنسان، وأجهزة مراجعة مالية تملك السلطة والموارد. ولا يمكن الاستغناء عن إعلام حر يسأل وينتقد.

أما الحكومة، فلا ينبغي أن تصبح مكانًا لمكافأة الحلفاء وتوزيع المناصب. ما بعد الحرب مرحلة تحتاج إلى أصحاب خبرة في الاقتصاد والإدارة والصحة والتعليم والهندسة والقانون والتفاوض. ومن حق الناس أن يعرفوا ماذا ستفعل كل وزارة، وكم ستنفق، ومتى تظهر النتائج. ويمكن قياس النجاح بأمور مفهومة: هل توقف القتال؟ هل عاد النازحون؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل تُنشر أوجه الإنفاق؟ وهل تسير خطوات الانتقال في مواعيدها؟ مهمة الرئيس أن يختار فريقًا مؤهلًا ويوجه عمله ويحاسبه، لا أن يدير كل وزارة بنفسه.

إنهاء الحرب يظل الأولوية التي تسبق كل شيء. لكن وقف إطلاق النار، على أهميته، ليس سلامًا كاملًا. المطلوب حصر السلاح في يد المؤسسات النظامية، وإصلاح القطاع الأمني، وتأمين عودة النازحين واللاجئين، وفتح طرق الإغاثة، وإعادة الشرطة والقضاء والخدمات إلى المناطق المتضررة. كما لا يجوز أن تصبح التسوية مجرد قسمة للمناصب بين حملة السلاح، فيما يظل المواطن الذي تحمل الخسائر خارج المشهد. السلام الذي يستمر يحتاج إلى مشاركة المجتمعات المحلية والنساء والشباب والمهنيين، لا إلى اتفاق مغلق بين النخب.

والعدالة جزء من السلام، وليست ملفًا يمكن تأجيله إلى وقت لاحق. لا مصالحة حقيقية من دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون وجبر ضرر الضحايا وإعادة الحقوق. المطلوب مسار يعترف بمعاناة الجميع ويمنع تكرار الانتهاكات. وإذا أصبح البرهان رئيسًا، فعليه أن يتحدث إلى السودانيين كافة، وأن يتصرف كرئيس للدولة لا ممثلًا لمعسكر انتصر على آخر، وأن يجعل القانون أساس المحاسبة بعيدًا عن الولاء السياسي أو القبلي.

كذلك، لا يعني توحيد القيادة إعادة كل السلطة والثروة إلى العاصمة. السودان بلد واسع ومتعدد، ولن يستقر إذا شعر سكان الأقاليم بأن المركز لا يلتفت إليهم إلا عند الأزمات. ينبغي أن تحصل الولايات والمحليات على صلاحيات وموارد حقيقية، وأن توزع مشروعات الإعمار والخدمات وفق الحاجة، لا وفق النفوذ والقرب من السلطة. هيبة الدولة لا تأتي من خوف الناس منها. تأتي من ثقتهم في عدالتها، ومن قدرتها على حمايتهم ومنحهم فرصًا متكافئة أينما كانوا.

أما الاقتصاد، فلن يتعافى بالشعارات. يحتاج مشروع الرئاسة إلى برنامج يبدأ من الزراعة ومشروعات الري والمصانع والأسواق، ويمتد إلى الطرق والكهرباء والاتصالات والنظام المصرفي. كما ينبغي تشجيع تحويلات السودانيين في الخارج عبر القنوات الرسمية، وضبط الإنفاق الحكومي، وتوجيه الموارد إلى الصحة والتعليم والمياه. والأهم هو نشر عقود إعادة الإعمار والمساعدات للرأي العام. فالأموال التي ستدخل في مرحلة البناء قد تصبح فرصة للنهوض وخلق الوظائف، وقد تتحول، إذا غابت الشفافية، إلى باب آخر للفساد والاحتكار.

أعرف أن ترشيح قائد عسكري للرئاسة يثير مخاوف حقيقية لدى كثيرين، ولا أرى فائدة في تجاهلها أو اتهام أصحابها بالعداء للدولة. لكنني لا أعتقد أن الخلفية العسكرية وحدها سبب كاف لاستبعاد أي مرشح، مثلما لا أعتبرها ضمانًا لنجاحه. المعيار عندي هو البرنامج والالتزام بالدستور والنتائج. ويمكن لرئاسة البرهان أن تجمع بين حماية الدولة الآن وتهيئة انتقال مدني منظم، بشرط أن يكون موعد الانتقال مكتوبًا وألا تتحول الظروف الاستثنائية إلى ذريعة للبقاء المفتوح في السلطة.

لهذا أرى أن الترشيح يجب أن يرتبط بخريطة طريق يعرفها الناس. تبدأ الخريطة بوقف الحرب وتأمين المدنيين وعودة النازحين، ثم تشكيل حكومة كفاءات ومجلس تشريعي انتقالي وإصلاح الأجهزة العدلية والأمنية. ويأتي بعد ذلك حوار يشمل القوى الملتزمة بالعمل السلمي، ثم استكمال الإحصاء والسجل الانتخابي وتكوين مفوضية مستقلة وضمان حرية الإعلام والتنظيم. وفي نهاية الطريق تجرى انتخابات يشارك فيها السودانيون داخل البلاد وخارجها. ولا بد من تحديد مدة المرحلة الانتقالية ومنع تمديدها إلا في ظروف استثنائية يحددها الدستور.

هذه الانتخابات هي المصدر النهائي للشرعية، وليست تفصيلًا يمكن تأجيله كلما ظهرت أزمة. يجب أن يتنافس المرشحون بحرية، وأن تقف أجهزة الدولة على مسافة واحدة منهم، وأن يختار المواطن من دون خوف. وإذا قرر البرهان خوض الانتخابات العامة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، فعليه أن ينافس ببرنامجه مثل الآخرين، من دون استخدام موارد الدولة أو موقع الرئاسة لمنح نفسه أفضلية. فتأييدي لترشيحه خلال المرحلة الانتقالية لا يسلب السودانيين حقهم لاحقًا في تقييم تجربته أو اختيار شخص آخر عبر صناديق الاقتراع.

لهذه الأسباب أقف مع ترشيح البرهان. فالمرحلة، في رأيي، تحتاج إلى قيادة تعرف مؤسسات الدولة وملفات الأمن والعلاقات الإقليمية، وتستطيع توحيد القرار وتوجيه جهود السلام والإعمار. لكن اختياري يظل مرتبطًا بمشروع دولة، لا مشروع سلطة، وبدستور ورقابة ومواعيد معلنة. السودان لا يحتاج إلى رئيس يقف فوق الدولة، بل إلى رئيس يستمد قوته منها. وفي النهاية، ليست المهمة أن يصل شخص إلى القصر، وإنما أن نخرج من الحرب بنظام يحمي الوطن ويضمن للسودانيين حق اختيار قيادتهم وتغييرها سلميًا