عبدالله بلال يكتب: الانهيار والاستقالة يا برهان
ظروف اقتصادية قاهرة وغير متوقعة يعيشها الشعب السوداني، الذي دفع فاتورة الحرب التي تسبب فيها أهل السياسة، وفشل العسكر في إدارتها وكبح جماحها.
نعم، نجح الجيش في إفشال مشروع اختطاف الدولة وابتلاعها لصالح المشروع الإماراتي، لكن للأسف لم تستثمر القيادة العليا للجيش النجاح الذي تحقق والدعم الشعبي الذي حظيت به. وما زال الفريق أول عبد الفتاح البرهان يلتزم الصمت بشأن المشروع الذي يريد أن يحكم به، وما زال يجامل على حساب رفاهية ولقمة عيش الشعب المغلوب على أمره.
قد لا يعلم البرهان أن عدد السنوات التي قضاها في الحكم أقل بسنة واحدة فقط من المدة التي استغرقتها رواندا للخروج من الحرب وبدء مسيرتها نحو التنمية، بعد أن حققت الوفاق الوطني بين أبناء شعبها بقيادة حاكمها الذي بدأ مسيرة الإصلاح بالدستور، والاستعانة بأفضل المستشارين، وتوزيع السلطات، وتكوين مؤسسات الحكم المدني وسيادة القانون.
نحن أمام بداية حقيقية لانهيار شامل، ونسأل الله أن يأتي بالفرج، فالاقتصاد يقف على شفا جرف من الانهيار. ولم يتبقَّ لنا إلا تطبيق نظرية "اقتصاد الأزمة"، ويقيني أنها الحل والعلاج بالكي، رغم المجهود الكبير الذي يقوم به الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية، لإصلاح الاقتصاد.
غير أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بتطبيق قانون الولاية الكاملة على المال العام بلا استثناء، وأعني ما أقول، بأن تؤول جميع الشركات والصناديق الحكومية إلى وزارة المالية. ثم تتولى وزارة النفط، عبر المؤسسة السودانية للنفط، استيراد المشتقات البترولية من خلال محفظة مصرفية حكومية، مع التزامها بتوزيع الوقود عبر الشركات المعتمدة.
إن فوضى أسعار الوقود وارتفاعها يرجعان إلى احتكار هذه السلعة الحيوية من قبل شخصيات معروفة أصبحت تمارس المضاربة في أسعار الدولار والوقود، ولا توجد دولة تعيش مثل هذه الفوضى في استيراد وتجارة الوقود كما هو الحال في السودان.
أما الكهرباء، فلا حل لها إلا بإعادة هيكلة شركات الكهرباء والدخول في شراكات مع شركات دولية لإصلاح القطاع، وطرحه كمشروع استثماري وطني تشارك فيه رؤوس أموال وطنية وأجنبية. وينطبق الأمر ذاته على مؤسسة السكر السودانية، والسكة الحديد، وهيئة الطرق والجسور.
إن الحالة التي يعيشها السودان تستوجب من رئيس مجلس السيادة أن يعقد مؤتمراً رسمياً يخاطب من خلاله الشعب بكل شفافية وشجاعة، موضحاً مواضع الخلل والعجز وكيفية العلاج. بل إن عليه أيضاً إعادة النظر في حكومة كامل إدريس، ونقول للسيد كامل: لقد اجتهدت، ولكن التوفيق من الله.
فلم يتبقَّ للشعب صبر أكثر مما تحمله خلال سنوات الحرب، ولم يتبقَّ له قوة في الجسد بعد الجوع والمرض، ولم يتبقَّ له شيء في الجيب بعد انعدام السيولة وفشل البنك المركزي، الذي يجب مراجعة أدائه بكل شفافية ووضوح.
بل يجب إلغاء السياسات الخاصة بتجارة الذهب والاستيراد والتصدير، والبحث عن سياسات جديدة تواكب احتياجات المواطن وتحد من جنون وارتفاع سعر الدولار.
إذا لم يحدث ما ذكرته، فعلى رئيس مجلس السيادة أن يتوقع انهياراً كاملاً تتحمل قيادته مسؤوليته، فالتاريخ لا يرحم، وقلمه لا يصدأ ولا ينكسر. والقلم نفسه الذي كتب عن عبود ونميري وسوار الذهب - رحمهم الله - وعن البشير، هو ذاته الذي سيكتب يوماً ما عن البرهان وتجربته في الحكم، نجاحاً كانت أم فشلاً.
ونتمنى أن يدرك فرصة النجاح، وأن يستثمر ما تبقى من النجاحات التي تحققت في عهده، وأن يتحزم بالرجال الأكفاء، وينقب عن العلماء والخبراء، ويستفيد من الناجحين من حوله، وأن يستغني عن المستشارين المجاملين وأصحاب مقولة: "لا أريكم إلا ما أرى، ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد".
وما زال التحدي قائماً، كما يقول الكابتن مهند الطاهر.
نواصل بإذن الله.
