السيناريو في مصر… بين موهبة تُكافح وواسطة تُسرّع الطريق
في كل مرة يلمع فيها اسم كاتب سيناريو جديد على الساحة الفنية في مصر، يتكرر السؤال بإلحاح يكاد يتحول إلى يقين لدى البعض: هل وصل هذا الكاتب بموهبته، أم بفضل شبكة علاقات لا تُرى بالعين المجردة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول بنية صناعة الدراما والسينما في مصر، وحدود العدالة فيها، ومصير الموهوبين الذين يقفون على الأبواب دون أن تُفتح لهم.
لا يمكن إنكار أن مصر تمتلك تاريخًا عريقًا في صناعة السينما والدراما، صنعه كتّاب كبار كانوا، في كثير من الأحيان، نتاج موهبة حقيقية وصقل مستمر وتجارب حياتية ثرية. لكن مع تغير الزمن وتبدل آليات الإنتاج، ودخول عوامل السوق بقوة، بدأ ميزان الفرص يميل أحيانًا بشكل يثير التساؤل، بل والشك.
الموهبة: شرط أساسي… لكنها ليست كافية
الكتابة للسينما أو التلفزيون ليست مجرد موهبة فطرية، بل هي حرفة تُكتسب وتُطوَّر. الكاتب الجيد يحتاج إلى فهم عميق للبناء الدرامي، وقدرة على رسم الشخصيات، وإدارة الحوار، وضبط الإيقاع. وهذه مهارات لا تأتي بالصدفة، بل تتطلب تدريبًا وقراءة ومشاهدة وتجريبًا مستمرًا، إلى جانب خيال خصب وقدرة على التصور.
لكن المشكلة لا تكمن هنا. فالموهوبون موجودون بكثرة، وربما أكثر من أي وقت مضى، بفضل انتشار ورش الكتابة والدورات التدريبية والمنصات الرقمية التي أتاحت الاطلاع على تجارب عالمية. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا: لماذا لا يصل إلا القليل؟
الإجابة المؤلمة في كثير من الأحيان أن الموهبة وحدها لا تفتح الأبواب المغلقة، لأن بعض هذه الأبواب لا تُفتح إلا بمفتاح "الواسطة" — تلك الحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها.
العلاقات: بين أداة مساعدة وعائق حقيقي
الحديث عن "الواسطة" في مصر ليس جديدًا، ولا يقتصر على مجال الفن. لكنه في مجال الإبداع يبدو أكثر قسوة، لأن الإبداع بطبيعته يفترض أن يكون مساحة حرة تُكافأ فيها الأفكار لا العلاقات.
في الواقع، تلعب العلاقات دورًا واضحًا في فتح الفرص الأولى. فالدخول إلى عالم الإنتاج يحتاج غالبًا إلى معرفة منتج أو مخرج أو شخص داخل المنظومة. هذه المعرفة قد تختصر سنوات من المحاولات، أو تنقل نصًا من درج مهمل إلى شاشة يشاهدها الملايين.
المشكلة ليست في وجود العلاقات بحد ذاتها — فكل الصناعات في العالم تقوم على الشبكات المهنية — بل حين تتحول هذه العلاقات إلى "شرط دخول" لا مجرد "ميزة إضافية". عندها، يُفضَّل اسم معروف أو قريب من الدائرة على نص أفضل لكاتب غير معروف، وهنا تتحول الواسطة إلى عائق حقيقي أمام العدالة.
سوق الإنتاج: من يملك القرار؟
لفهم الصورة بشكل أدق، يجب النظر إلى طبيعة سوق الإنتاج في مصر. المنتج غالبًا هو صاحب القرار النهائي، وهو من يحدد ما يُنتج وما يُرفض.
لكن هذا القرار لا يُبنى دائمًا على جودة النص وحدها، بل على اعتبارات تجارية: هل الفكرة مضمونة؟ هل الكاتب لديه سجل نجاحات؟ هل يمكن تسويق العمل بسهولة؟
هنا يظهر عامل "الأمان". يميل المنتج إلى العمل مع أسماء مُجرّبة، حتى لو كان ذلك على حساب تجديد الدماء. هذه عقلية مفهومة من ناحية الاستثمار، لكنها تُغلق الباب أمام المغامرة الإبداعية.
وهكذا، يجد الكاتب الموهوب نفسه في حلقة مفرغة: لا يُمنح فرصة لأنه غير معروف، ولا يصبح معروفًا لأنه لم تُتح له فرصة.
ورش الكتابة: حل جزئي أم إعادة إنتاج للمشكلة؟
في السنوات الأخيرة، ظهرت ورش الكتابة كحل وسط، وفتحت الباب أمام عدد من الشباب لاكتساب خبرة عملية والعمل ضمن فرق. وهي خطوة إيجابية بلا شك.
لكن حتى داخل هذه الورش، تظهر نفس الإشكالية أحيانًا. فالدخول إلى بعضها يحتاج إلى ترشيح أو معرفة، أو على الأقل إلى القدرة على الوصول للمعلومة في الوقت المناسب. كما أن العمل داخل الورشة لا يضمن دائمًا ظهور اسم الكاتب بشكل واضح، مما يبقيه في الظل رغم مساهمته.
المنصات الرقمية: نافذة أمل
لا يمكن تجاهل الدور المتزايد للمنصات الرقمية في كسر هذا الاحتكار النسبي. اليوم، يستطيع الكاتب نشر نصوصه، أو تقديم أفكار، أو حتى صناعة محتوى بسيط يلفت الانتباه.
بعض الأسماء بدأت بالفعل من الإنترنت قبل أن تنتقل إلى الإنتاج التقليدي. هذه المساحة تمنح الموهبة فرصة لإثبات نفسها خارج الأطر المعتادة، لكنها لا تزال محدودة التأثير مقارنة بقوة الإنتاج التلفزيوني والسينمائي.
الحقيقة الرمادية
اختزال المشهد في أن المجال "للموهوب فقط" أو "لصاحب الواسطة فقط" هو تبسيط مخل. الحقيقة أكثر تعقيدًا، وتقع في منطقة رمادية بين الاثنين.
الموهبة تظل العامل الحاسم على المدى الطويل. فحتى من يدخل بالواسطة لن يستمر إذا لم يكن لديه ما يقدمه. الجمهور هو الحكم في النهاية، والعمل الضعيف لا يعيش طويلًا مهما كانت العلاقات التي دعمته.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الواسطة قد تكون "الدفعة الأولى" التي يحتاجها البعض للانطلاق — وهي دفعة لا يحصل عليها الجميع، مما يخلق شعورًا بالظلم لدى كثير من الموهوبين.
ما الذي يجب أن يتغير؟
إذا أردنا صناعة أكثر عدالة وكفاءة، فهناك خطوات ضرورية:
خلق قنوات واضحة لاكتشاف المواهب، مثل مسابقات تُحكَّم بشفافية.
تشجيع المنتجين على المخاطرة المدروسة ومنح فرص لأقلام جديدة، حتى في مشاريع صغيرة.
تفعيل دور النقابات والهيئات الثقافية في دعم الكتاب الشباب.
تعزيز ثقافة التقييم الموضوعي، بحيث يُنظر إلى النص قبل اسم صاحبه.
