أحمد بطران يكتب.. كلمات في الزمن الضائع...!
السلام أجمل هدية للملايين الشقية.. فليصبح هو القضية
الحوار لا البندقية: إنقاذ ما تبقى من وطن قبل فوات الأوان
السودان الذي انتزع استقلاله في يناير 1956 لم يكن مجرد دولة وليدة، بل كان قوة ذات سيادة ونفوذ، ساهمت في تحرير أفريقيا والعالم العربي، ونسجت علاقات خارجية متينة مع الغرب. لكن هذا المجد انكسر حين تحالف الرئيس جعفر النميري مع الإسلاميين لتعزيز سلطته، وأصدر "قوانين سبتمبر 1983" التي رفضتها القوى الوطنية، ودفعت البلاد إلى قطيعة مع العالم الديمقراطي، فتحت لاحقًا شهية قوى إقليمية ودولية لدعم مشاريع التقسيم وتأجيج الصراعات.
من الحلم إلى الانكسار
صحيح أن نظام مايو سقط لأسباب موضوعية، لكن ممارساته الباطشة عجّلت بالرحيل. ومنذ ذلك الحين، تحول السودان في العقل الغربي من "حليف استراتيجي محتمل" إلى "دولة مأزومة"، في موقع جغرافي حساس على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وثروات هائلة، ما جعله هدفًا لمحاولات الإضعاف والاستنزاف.
لكن الكارثة الأعمق أن أبناء الوطن أنفسهم ساهموا في تعميق العزلة، نتيجة عقلية سلطوية متجذرة عطّلت الإصلاح، وأبقت السودان عاجزًا عن بناء سيادة حقيقية أو نفوذ إقليمي فاعل.
الانقلابات… جراح الدولة المفتوحة
تتحمل الانقلابات العسكرية النصيب الأكبر من هذا الانحطاط السياسي:
17 نوفمبر 1958
25 مايو 1969
30 يونيو 1989
25 أكتوبر 2021
وصولًا إلى الانفجار الأخطر في 15 أبريل 2023، الذي وسّع دوائر العنف، وأيقظ النعرات القبلية والعنصرية، ودفع البلاد إلى حافة "اللادولة".
حرب تُعيد إنتاج الخراب
اليوم، يقف دعاة التغيير أمام واقع ملتهب، حيث تُرفض الحلول السياسية لصالح منطق السلاح، في حرب عبثية تهتك النسيج الاجتماعي، وتدفع البلاد نحو انهيار شامل.
الأخطر أن منطق "ما أريكم إلا ما أرى" لا يزال حاضرًا، وأن صوت البنادق يعلو على صوت العقل، بينما تتسع دائرة الموت والتشريد بلا أفق واضح.
أسئلة لا يمكن الهروب منها
أليس إيقاف نزيف الدم عبر حوار سوداني–سوداني أولى من انتظار حسم عسكري طويل ومكلف؟
ألا يرتبط عودة النازحين والإغاثة بوقف القتال؟
وألا يتطلب وقف القتال اتفاقًا سياسيًا شاملًا؟
ما جدوى تأجيل الحوار، إذا كان كل يوم جديد يزيد الجراح اتساعًا؟
لا عدالة بدون شمول… ولا سلام بالإقصاء
إن إقصاء الأطراف بحجة مسؤوليتها عن الحرب لن ينتج عدالة، بل يعيد إنتاج الأزمة. فالمعارضة الحقيقية ليست من يوافق، بل من يختلف ضمن وطن يتسع للجميع.
المحاسبة يجب أن تكون عبر قضاء مستقل، لا عبر شروط سياسية تعرقل التفاوض. فالحوار لا يعني الإفلات من العقاب، بل هو المدخل الحقيقي لوقف الانهيار.
الوطن لا يُختزل في بندقية
إن احتكار الوطنية أخطر من حمل السلاح، وإقصاء القوى المدنية لن يلغي وجودها، بل قد يدفعها نحو خيارات أكثر تعقيدًا.
الوطن لا يُبنى بالانتصار المؤقت، بل بالحلول التي تمنع تكرار الحرب. ولا يمكن لبلدٍ يحترق أن يُدار بمنطق "بل بس"، بينما الواقع ينهار من حوله.
لحظة الحقيقة
نحن أمام لحظة تاريخية لا تحتمل التأجيل.
لا استقرار، لا إعمار، ولا انتخابات تحت القصف.
السلام هو البداية، والحوار هو الطريق، أما البندقية فهي الهاوية.
ختامًا
إن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل هو القضية.
والحوار ليس ضعفًا، بل شجاعة سياسية.
الوطن فوق الجميع،
والسلام أجمل هدية للملايين الشقية…
فليصبح هو القضية،
لا البندقية.
