الصادق علي حسن يكتب.. اللي اختشوا ماتوا
تشهد الساحة السياسية في السودان حالة غير مسبوقة من السيولة والاضطراب، انعكست بوضوح في الخطاب السياسي والممارسات اليومية للنخب، في ظل تراجع ملحوظ للقيم الأخلاقية وتنامي ظاهرة الانتهازية السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العمل العام في البلاد.
السياسة بين غياب المهنية وانعدام الضوابط
أصبحت السياسة في السودان، خلال السنوات الأخيرة، ملاذًا مفتوحًا لمن لا يمتلكون مؤهلات مهنية أو فكرية حقيقية، حيث تحولت إلى وسيلة سريعة للوصول إلى السلطة والثروة. ولم يعد الانخراط في العمل السياسي يتطلب خبرة أو كفاءة، بقدر ما يعتمد على الانتماءات الجهوية، ورفع الشعارات، واستثمار الأزمات.
وقد ساهم غياب المساءلة والإفلات من العقاب في تكريس هذه الظاهرة، حيث تُطوى صفحات الانتهاكات مع نهاية كل مرحلة سياسية، دون محاسبة حقيقية، مما أدى إلى إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، وتعميق الفجوة بين المركز والهامش، في ظل توظيف سياسي لهذه القضايا دون حلول جذرية.
الحرب وصراع المصالح
في خضم الحرب الدائرة، التي تحولت إلى صراع مفتوح بين شركاء الأمس، برزت شبكات من المصالح تحيط بالأطراف المتنازعة، مدفوعة برغبة في اقتسام السلطة، وسط خطاب سياسي متضخم يفتقر للمضمون، ويعتمد على المزايدات الإعلامية والتجييش الجماهيري.
كما ساهمت بعض النخب في الخارج، خاصة المقيمة في دول الغرب، في تغذية هذا المشهد عبر نشاط سياسي مكثف في الوسائط، مستفيدة من الفراغ الإعلامي، وما يوفره هذا النشاط من فرص للمشاركة في مؤتمرات وفعاليات دولية.
مفارقات التصنيف الأمريكي
أثارت ردود الفعل على التصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان المسلمين كـ"منظمة إرهابية" حالة من الجدل، خاصة مع ظهور مواقف متباينة من شخصيات كانت تنتمي أو ترتبط بالحركة في مراحل سابقة.
وتبرز في هذا السياق مفارقة لافتة، حيث سارع بعض المنتمين سابقًا للحركة إلى تأييد التصنيف، والتنصل من ارتباطهم بها، رغم تاريخهم التنظيمي المعروف، وهو ما يعكس حالة من الارتباك السياسي، وربما محاولة لإعادة التموضع في مشهد متغير.
سليمان صندل.. من الانتماء إلى المفارقة
يُعد سليمان صندل نموذجًا لهذه التحولات، إذ ارتبط اسمه بالحركة الإسلامية منذ سنوات الدراسة الجامعية، وشارك في مراحل مفصلية من تاريخها، قبل أن يظهر لاحقًا في موقع مختلف، يتبنى خطابًا ناقدًا لها.
ويثير هذا التحول تساؤلات حول طبيعة المواقف السياسية في السودان، وما إذا كانت تعبيرًا عن مراجعات فكرية حقيقية، أم مجرد استجابة لاعتبارات الواقع السياسي وموازين القوى.
أزمة الأحزاب والتنظيمات السياسية
تعكس هذه الوقائع، في مجملها، أزمة أعمق تعاني منها الأحزاب والتنظيمات السياسية في السودان، تتعلق بضعف البناء المؤسسي، وغياب الرؤية، والاعتماد على أدوات لا تحقق تغييرًا حقيقيًا.
كما تكشف عن حاجة ملحة لإعادة النظر في آليات العمل السياسي، وتعزيز مبادئ الشفافية والمحاسبة، بما يضمن استعادة ثقة الشارع، وبناء مشروع وطني قادر على تجاوز الأزمات المتراكمة.
في ظل هذه التحديات، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن للنخب السياسية السودانية أن تعيد تصحيح المسار، وتتبنى نهجًا قائمًا على المسؤولية والوضوح، أم أن المشهد سيظل أسيرًا لدائرة من التناقضات والتحولات غير المستقرة؟
الإجابة، كما يبدو، مرهونة بقدرة الجميع على تقديم مصلحة الوطن على الحسابات الضيقة.
