”رفح الخضراء”.. الكشف عن مخطط إسرائيلي لقلب واقع قطاع غزة
كشفت قناة "i24" العبرية النقاب، في تقرير خاص مساء يوم الأربعاء الموافق للسادس والعشرين من نوفمبر 2025، عن بدء الجيش الإسرائيلي لأعمال تطوير ميدانية فعلية تهدف لإنشاء مدينة جديدة مُخطط لها شرق مدينة رفح، وذلك ضمن مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة في قطاع غزة. وأفادت التقارير بأن هذه المدينة المزمع إقامتها ستُخصص للسكان الفلسطينيين من غير المنتمين لحركة حماس، في خطوة تُعتبر جزءاً من رؤية أوسع لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية للقطاع. وجاء هذا الإعلان تتويجاً لشهور من التكهنات والتحليلات حول النوايا الإسرائيلية طويلة الأمد فيما يتعلق بمستقبل غزة ما بعد الحرب.
وأضافت القناة في تقريرها المُفصل أن المشروع الضخم يحمل اسم "رفح الخضراء"، مؤكدة أن التحضيرات الأولية على أرض الواقع قد بدأت بالفعل، حيث شوهدت تحركات لآليات ومعدات إنشائية في المنطقة المُحددة. وتوقعت المصادر أن تشهد وتيرة هذه التحضيرات تسارعاً كبيراً وملموساً خلال الأسبوع المقبل من الإعلان، مما يشير إلى أن المشروع دخل مرحلة التنفيذ الفعلي بعد أن كان مجرد فكرة مطروحة للنقاش. هذا التسارع يُنظر إليه على أنه مؤشر على وجود إرادة سياسية وعسكرية عليا لدفع المخطط قدماً، رغم المعارضة التي قد تواجهه.
كما تابعت القناة أن أعمال التجهيز تشمل "ضخ كميات هائلة من الأسمنت في الأنفاق وعزل مناطق واسعة" كإجراء تحضيري لمرحلة البناء. وأوضحت أن هذه الأعلاات لا تشمل حي "الجنينة" في رفح، والذي تُصر السلطات الإسرائيلية على أن العشرات من مقاتلي المقاومة "يتحصنون تحت الأرض" فيه. وأفاد التقرير بأن هذه الأعمال التجهيزية ستستمر "حتى لو لم تتقدم خطة ترامب إلى مرحلتها التالية"، باعتبار أنها "تخدم المصلحة الإسرائيلية بشكل منفصل في تدمير البنى التحتية العسكرية المزعومة" وإعداد الأرض لمرحلة جديدة.
الجدل السياسي والداخلي
أثار الإعلان عن المشروع موجة من الغضب والاستياء بين عدد من الوزراء في كابينت الحكومة الإسرائيلية، حيث عبروا علانية عن معارضتهم الشديدة للخطة. ونقلت القناة على لسان هؤلاء الوزراء قولهم: "لا للبناء على الخط الأصفر بما قد يعرّض مستوطناتنا للخطر"، في إشارة إلى مخاوفهم من أن إنشاء مدينة فلسطينية جديدة في ذلك الموقع قد يشكل تهديداً أمنياً للمستوطنات الإسرائيلية القريبة أو للحدود. تعكس هذه التصريحات الانقسام الحاد داخل المشهد السياسي الإسرائيلي حول كيفية إدارة ملف غزة في المرحلة المقبلة.
ورغم هذه المعارضة الداخلية، أوضحت القناة أنه "وفقاً للاستعدادات الجارية على الأرض للخطوة المرتقبة، يبدو أن القيادة السياسية والعسكرية العليا قد بدأت بتهيئة كافة الظروف اللازمة للمضي في المشروع قدماً". ويشير هذا التحليل إلى أن أصحاب القرار في إسرائيل يميلون نحو تنفيذ المخطط، مستعدين لتحمل تبعات المعارضة الداخلية، في سعيهم لتحقيق ما يرونه "مصلحة إستراتيجية عليا" تتمثل في خلق واقع جديد في قطاع غزة يُضعف حركة حماس وينشئ سلطة بديلة.
كما أشارت التغطيات إلى وجود دفع إسرائيلي قوي بتسمية تفصل بين المناطق التي تُدار فعلياً من قبل الاحتلال وتلك التي خارج سيطرته المباشرة؛ حيث يتم الترويج لمصطلحات مثل "غزة الجديدة" مقابل "غزة القديمة". هذا التقسيم المصطلحي ليس مجرد تسمية جغرافية، بل يعكس رؤية سياسية أعمق تهدف إلى فصل المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل أو تتطلع لإدارتها عبر قوى فلسطينية موالية، عن تلك التي قد تبقى تحت سيطرة فصائل المقاومة، مما يمهد الطريق لتقسيم دائم للقطاع.
الدور الدولي والمشهد الميداني
في سياق متصل، ذكرت تقارير هيئة البث العام الإسرائيلية ("كان 11") أن إسرائيل "تستعد لإدخال آليات ثقيلة إلى رفح، ربما خلال الأسبوع المقبل، لبدء عملية إخلاء واسعة للركام". وحددت الهيئة الهدف المعلن من هذه العملية وهو "تهيئة الأرض لإقامة منطقة إنسانية جديدة خالية من عناصر حماس". هذا الإجراء يُعتبر الخطوة العملية الأكثر بروزاً على الأرض حتى الآن، والتي تترجم المخطط النظري إلى واقع ملموس، وستكون له انعكاسات إنسانية وميدانية كبيرة على السكان والمشهد العمراني في المنطقة.
وتعمقت تقارير "كان 11" في الإطار الأوسع للمشروع، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال قد أبلغ "ميليشيات مسلحة تعمل بتنسيق مع إسرائيل" بالخطوات المرتقبة. كما كشفت أن المرحلة التالية، وفقاً للمخطط الأميركي المطروح، تتضمن "عمل قوة عسكرية أجنبية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل جزئياً". هذا العنصر يُضفي بُعداً دولياً على المشهد، ويشير إلى محاولات لإشراك أطراف دولية في إدارة الأوضاع في غزة، ربما لتخفيف العبء الأمني عن إسرائيل وإضفاء شرعية دولية على الترتيبات الجديدة.
غير أن التقرير نفسه سلط الضوء على عقبة محتملة تواجه هذا البعد الدولي، حيث أشار إلى أن "الدول التي وافقت مبدئياً على إرسال قوات ضمن القوة الدولية ترفض العمل في مناطق خاضعة لسيطرة حركة حماس". هذا الرفض يخلق معضلة عملية كبيرة، حيث أن سيطرة حماس على أجزاء من القطاع قد تجعل من الصعب نشر قوات دولية في كافة أنحائه، مما قد يقود إلى سيناريوهات معقدة تتعلق بنطاق عمل هذه القوات والمناطق التي ستتمركز فيها، وهو ما قد يؤثر بدوره على تنفيذ مشروع "رفح الخضراء" والخطط المرتبطة به.












