اقرأ الخبر

رحيل عبقري الأداء.. عبد الرحمن أبو زهرة الذي سكن قلوب الجمهور بصوته وحضوره

الثلاثاء 12 مايو 2026 09:12 صـ 25 ذو القعدة 1447 هـ
فارس المسرح والدراما يغيب.. وذكراه تبقى خالدة في وجدان المصريين
فارس المسرح والدراما يغيب.. وذكراه تبقى خالدة في وجدان المصريين

غاب عن عالمنا الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة، أحد أهم أعمدة الفن المصري والعربي، بعد رحلة فنية استثنائية امتدت لعقود طويلة، استطاع خلالها أن يحفر اسمه بحروف من ذهب في ذاكرة الجمهور، بموهبته الفريدة وأدائه الاستثنائي وصوته الذي حمل بصمة لا تشبه أحدًا سواه.

ومع إعلان رحيله، خيّم الحزن على الوسط الفني والجمهور العربي، إذ لم يكن عبد الرحمن أبو زهرة مجرد ممثل قدّم أدوارًا ناجحة، بل كان مدرسة فنية متكاملة، امتلك أدواته بإتقان نادر، فجمع بين قوة الأداء، وهيبة الحضور، والقدرة المذهلة على التلون بين الشخصيات المختلفة دون أن يفقد خصوصيته الفنية.

ويبقى دوره الأشهر في مسلسل لن أعيش في جلباب أبي علامة فارقة في تاريخ الدراما المصرية، حين جسّد شخصية “المعلم سردينة” ببراعة شديدة، جعلت الشخصية واحدة من أكثر الشخصيات رسوخًا في ذاكرة المشاهدين. واستطاع من خلال أدائه أن يخلق ثنائية فنية مميزة مع الفنان نور الشريف، اتسمت بالاحترافية والصدق، حتى تحولت مشاهد العمل إلى أيقونات درامية لا تزال حاضرة بقوة حتى اليوم.

تميز عبد الرحمن أبو زهرة بقدرة استثنائية على تطويع صوته لخدمة الشخصية، وهو ما ظهر بوضوح في تجربته الفريدة مع أفلام ديزني المدبلجة باللغة العربية، حيث قدم شخصية “سكار” في فيلم الأسد الملك بصورة أبهرت الجمهور وصناع العمل أنفسهم. فقد منح الشخصية مزيجًا من الشر والدهاء والسخرية بصوت حمل قدرًا هائلًا من الإحساس والإبداع، حتى اعتبره كثيرون أفضل من جسّد الشخصية عربيًا. كما وضع بصمة لا تُنسى في شخصية “جعفر” بفيلم علاء الدين، ليصبح واحدًا من أهم الأصوات في تاريخ الدوبلاج العربي.

ولد شغف عبد الرحمن أبو زهرة بالفن داخل أروقة المسرح، بعدما تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1958، لينضم بعدها إلى المسرح القومي عام 1959، ويبدأ رحلة طويلة من الإبداع الحقيقي. وكانت أولى خطواته المسرحية من خلال مسرحية “عودة الشباب” للأديب الكبير توفيق الحكيم، قبل أن ينطلق سريعًا نحو البطولة في عدد من أبرز الأعمال المسرحية.

وخلال مسيرته، شارك في ما يقرب من 100 عرض مسرحي، ليؤكد مكانته كأحد فرسان المسرح المصري، حيث تألق في أعمال بارزة مثل “بداية ونهاية” المأخوذة عن رائعة الأديب نجيب محفوظ، إلى جانب مسرحية “المحروسة” وغيرها من الأعمال التي رسخت حضوره القوي على خشبة المسرح.

أما في السينما، فقد ترك أبو زهرة رصيدًا ضخمًا من الأفلام المهمة التي تنوعت بين الدراما والاجتماعيات والكوميديا، وشارك في أعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، من بينها “النوم في العسل”، و“أرض الخوف”، و“حب البنات”، و“الجزيرة”، و“تيتة رهيبة”، وغيرها من الأعمال التي كشفت عن موهبة استثنائية قادرة على تقديم مختلف الأدوار بإقناع شديد.

وفي الدراما التلفزيونية، كان حضوره طاغيًا في عشرات الأعمال الناجحة، مثل “الوسية”، و“الزيني بركات”، و“الملك فاروق”، و“الجماعة”، و“العمة نور”، و“أوان الورد”، وغيرها من المسلسلات التي أكدت مكانته كواحد من أعمدة الدراما العربية.

لم يكن عبد الرحمن أبو زهرة مجرد فنان عابر في تاريخ الفن، بل كان حالة استثنائية من الصدق والإبداع والانضباط، استطاع أن يحافظ على قيمته الفنية واحترامه لدى الجمهور طوال مشواره، ليظل اسمه حاضرًا كرمز للفن الحقيقي الذي لا يخضع للزمن.

برحيله، تفقد الساحة الفنية قامة كبيرة لن تتكرر كثيرًا، لكن أعماله ستبقى شاهدة على موهبة نادرة صنعت المجد بهدوء، وتركت أثرًا خالدًا في قلوب أجيال كاملة من عشاق الفن الراقي