اقرأ الخبر

«غوغل» تعيد تشكيل غرف الأخبار… والذكاء الاصطناعي يقتحم صناعة الفيديو

السبت 9 مايو 2026 02:20 مـ 22 ذو القعدة 1447 هـ
أدوات «غوغل» الجديدة تُشعل سباق المحتوى المرئي وتثير مخاوف المصداقية
أدوات «غوغل» الجديدة تُشعل سباق المحتوى المرئي وتثير مخاوف المصداقية

شهدت صناعة المحتوى الرقمي تحولاً جديداً بعد التحديثات الأخيرة التي أطلقتها شركة Google على تطبيق «غوغل فيدز»، والمتخصص في إنتاج الفيديو، في خطوة وصفها خبراء الإعلام والذكاء الاصطناعي بأنها قد تعيد رسم ملامح غرف الأخبار الحديثة، عبر تسريع إنتاج المحتوى المرئي وتقليل تكلفته، لكن وسط تحذيرات متزايدة من تهديدات قد تطال مصداقية المؤسسات الإعلامية إذا غابت الرقابة التحريرية الصارمة.

وكانت «غوغل» قد أعلنت خلال أبريل الماضي عن حزمة تحديثات جديدة داخل التطبيق، تضمنت أدوات متطورة لإنتاج فيديوهات بجودة أعلى، مع إمكانية إنشاء موسيقى مخصصة، إلى جانب شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتحويل المواد الصحافية التقليدية إلى فيديوهات احترافية خلال دقائق، ومن دون الحاجة إلى فرق إنتاج ضخمة أو تجهيزات معقدة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في إطار المنافسة المتصاعدة بين منصات التكنولوجيا الكبرى، لا سيما مع التطور السريع الذي تشهده منصات مثل TikTok في مجال المحتوى المرئي وتقنيات الشخصيات الرقمية المستخدمة في الترويج والتسويق وصناعة المحتوى التفاعلي.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي بفرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا في دبي، أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بالتقنية ذاتها، بل بالتوازن الصعب بين السرعة والدقة داخل المؤسسات الإعلامية، موضحاً أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت تنتج المحتوى بوتيرة أسرع من قدرة الإنسان على مراجعته وتحليله نقدياً.

وأشار مصطفى إلى أن الخطر الأكبر يكمن في تعامل بعض غرف الأخبار مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً للعملية التحريرية، وليس مجرد أداة مساعدة لتسريع العمل، مؤكداً أن الاستخدام المهني السليم يجب أن يقوم على اعتبار التقنية منتجاً أولياً للمحتوى، بينما تبقى الكلمة الأخيرة للصحافي والمحرر عبر مراجعة الأسماء والأرقام والمصادر والسياقات.

وأضاف أن دور الصحافي لم يعد يقتصر على كتابة الخبر فقط، بل أصبح أكثر تعقيداً وعمقاً، إذ تحول إلى «حارس للسياق» ومسؤول عن ضبط النبرة البصرية والتحقق من عدم وقوع تضليل بصري أو معلوماتي، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد ينجح في تقديم معلومات دقيقة، لكنه قد يفشل أحياناً في طريقة عرضها أو توظيفها بصرياً.

وعلى المستوى الاقتصادي، أوضح مصطفى أن هذه الأدوات توفر للمؤسسات الإعلامية ثلاثة مكاسب رئيسية، تتمثل في تسريع عملية الإنتاج، وإعادة تدوير المحتوى عبر صيغ متعددة بسهولة، إلى جانب تقليل النفقات التشغيلية بشكل ملحوظ. لكنه حذر في الوقت نفسه من مخاطر «الاعتماد المفرط» على المنصات التقنية، وهو ما قد يؤدي إلى تشابه المحتوى الإعلامي بين المؤسسات المختلفة، فضلاً عن فقدان السيطرة على آليات التوزيع والوقوع في دائرة التبعية التقنية الكاملة للشركات الكبرى.

وشدد على أن نجاح المؤسسات الإعلامية مستقبلاً لن يقاس بسرعة تبني أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما بقدرتها على بناء فلسفة تحريرية واضحة تحدد متى تُستخدم التقنية، وكيف، وأين يجب أن يتدخل العنصر البشري لضمان الحفاظ على المصداقية والهوية المهنية.

من جانبه، رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين لا تزال قائمة على التكامل، موضحاً أن محرك البحث التابع للشركة يعتمد بشكل كبير على المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الإعلامية، وهو ما يدفع «غوغل» إلى تطوير أدوات مخصصة لدعم الناشرين وصناع المحتوى.

وأكد المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت أمام واقع جديد تفرضه خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، يقوم على مبدأ «الإغراق بالمحتوى»، حيث تزداد فرص الظهور والانتشار كلما زادت وتيرة النشر والإنتاج، وهو ما يدفع المؤسسات للبحث عن حلول تقنية تتيح إنتاجاً أسرع وأوفر تكلفة.

ورغم ذلك، شدد على ضرورة وجود ضوابط أخلاقية واضحة تحكم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل احترام حقوق الملكية الفكرية وعدم انتهاك المحتوى، والشفافية الكاملة مع الجمهور بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، بالإضافة إلى تحديد أنواع المحتوى التي يمكن للتقنية التعامل معها دون الإضرار بالقيمة المهنية.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مناسباً لإنتاج الأخبار السريعة والمحتوى الخفيف والقصص البسيطة، لكنه لا يستطيع حتى الآن أن يحل محل العنصر البشري في التحقيقات الاستقصائية أو القصص الإنسانية المعقدة أو الحوارات العميقة، التي تتطلب حساً صحافياً وخبرة إنسانية لا تزال خارج نطاق الآلة.

ومع تسارع سباق التكنولوجيا داخل القطاع الإعلامي، تبدو غرف الأخبار أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الإنسان والآلة، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل المهنة، وحدود الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت السرعة الرقمية ستنتصر في النهاية على جوهر العمل الصحافي القائم على الدقة والثقة والوعي الإنساني