اقتصاد الحرب السوداني.. شبكات الظل تُدير الصراع
تحولت الحرب في السودان من مجرد مواجهة عسكرية داخلية، إلى منظومة اقتصادية عابرة للحدود تُدار بمنطق الربح والخسارة. فالصراع اليوم لم يعد يُحسم في ساحات القتال فقط، بل في شبكات التهريب، ومسارات غسل الأموال، وتدفقات التمويل غير المشروع التي تُبقي نيران الحرب مشتعلة.
فخلال الأيام الماضية أمر النائب العام لدولة الإمارات حمد سيف الشامسي، بإحالة 19 متهما بينهم ست شركات مسجلة في الدولة إلى محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية (دائرة أمن الدولة)، وذلك على خلفية ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري والتزوير وغسل الأموال.
جاء قرار الإحالة عقب تحقيقات موسعة أجرتها النيابة العامة، حيث كشفت الوقائع عن محاولة المتهمين تمرير شحنة من الذخائر إلى سلطة بورتسودان عبر أراضي الإمارات، في مخالفة صريحة للقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة.
صفقات تحت الطاولة
أظهرت التحقيقات أن الوقائع محل الدعوى ارتبطت بصفقات تمت بطلب من لجنة التسليح في سلطة بورتسودان برئاسة عبد الفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا، وبتنسيق من عثمان محمد الزبير محمد، كما شمل نطاق الاتهام شخصيات نُسبت إليها أدوار في التوجيه والتنسيق، من بينهم صلاح عبد الله محمد صالح (الملقب بصلاح قوش).
ويواجه المتهمون تهم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري، وتزوير محررات رسمية واستعمالها، وغسل الأموال المتحصلة من تلك الجرائم، بما يشكل مخالفة جسيمة لقوانين الدولة وأنظمتها.
وكشفت التحقيقات عن تنفيذ المتهمين مخططهم عبر صفقتين مترابطتين، اتسمتا بالتخطيط المسبق واستخدام واجهات كيانات تجارية ومالية لإخفاء الطابع غير المشروع للعمليات.
ففي الصفقة الأولى، التي أُبرمت خارج الدولة، جرى الاتفاق على توريد عتاد عسكري شمل بنادق كلاشينكوف ومدافع رشاشة وقنابل، بقيمة مُعلنة بلغت 13 مليون دولار، في حين لم تتجاوز قيمتها الفعلية 10 ملايين دولار، حيث تم تخصيص الفارق كعمولات غير مشروعة تم الاتفاق على توزيعها بين المتهمين نظير أدوارهم في ترتيب الصفقة وتسهيل إجراءاتها، وأن المدفوعات جرى تمريرها عبر شركات مرخصة وحسابات مصرفية داخل الدولة تحت غطاء معاملات تجارية صورية.
أما الصفقة الثانية فنُفذت داخل الدولة باستخدام ما يزيد عن مليوني دولار من متحصلات الصفقة الأولى، وذلك لتنفيذ توريد عاجل لصفقة ذخائر إضافية (جيرانوڤ)، حيث تم إدخال الجزء الأول من الشحنة إلى أراضي الدولة بطرق احتيالية عبر طائرة خاصة، تمهيداً لنقلها إلى بورتسودان.
وتمكنت الأجهزة المختصة من كشف خيوط العملية وتعقب مسار الأموال والشحنات، لتسقط المخطط قبل اكتماله، حيث ألقي القبض على المتهمين وأُحبطت محاولة تمرير العتاد إلى وجهته النهائية .
مصالح شبكات تجارية
أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق التي كشف عنها تقرير النائب العام لدولة الإمارات، حمد سيف الشامسي، هو استخدام الغطاء الإنساني كجزء من هذه المنظومة، حيث كشفت القضية عن استخدام الأسلحة تحت غطاء شركات الدواء.
والأمر هنا، بحسب خبراء في العمل الإنساني، لا يتعلق فقط بإساءة استخدام الموارد، بل بتحوّل العمل الإنساني إلى قناة لوجستية منخفضة الشبهة لصالح شبكات الجريمة المنظمة، وغطاء لتدفقات مالية يصعب تتبعها.
رغم أن الصراع في السودان يبدو داخليا في طبيعته العسكرية، فإن بنيته الاقتصادية أصبحت عابرة للحدود، حيث تتقاطع مصالح شبكات تجارية إقليمية ووسطاء ماليين دوليين وفاعلين غير رسميين في أسواق السلاح.
اقتصاد الحرب
اقتصاد الحرب لا يموّل الصراع فقط، بل يُعيد تشكيل دوافعه. وفي هذا السياق تتحقق ثلاث تحولات جوهرية: أولها تحوّل الحافز من أهداف سياسية للوصول إلى السلطة إلى مكاسب اقتصادية، إضافة إلى توسّع دائرة المستفيدين من الحرب لتشمل فاعلين خارج ساحة القتال، فضلاً عن توفر مصادر تمويل ذاتية تضمن استمرار الحرب.
يرى مراقبون سياسيون سودانيون إنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن بقاء هذه الشبكات يعني أن السودان سيواجه تحديات معقدة؛ أهمها تفكيك تلك الشبكات، وهو ما يتطلب تنسيقا دوليا عالي المستوى، وأدوات مالية واستخباراتية متقدمة، وإرادة سياسية دولية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريا.
وفي غياب ذلك، سيظل اقتصاد الحرب اللاعب الأكثر ثباتاً في إعادة تشكيل موازين القوة داخل السودان، وصياغة مسار الصراع بما يتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية التقليدية، ليغدو العامل الحاسم في تحديد من يملك النفوذ، ومن يملك القدرة على إطالة أمد الحرب.
